نَصْلٌ مُصَوّب

اللهُ الذي أعرف..!

 اللهُ الذي أعرفه يقولُ مُستفتحًا كتابه العزيز: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}

افتتاحيةٌ ليّنةٌ يقرأُ منها الكون بكلُ ما فيهِ. تقرأُ منها الأفعال الإنسانية كُلها مُستلهمةً خصائصها من (الرحمة) حتى تَكونَ نتائجهَا كلها عائدةً إليها. حينَ يبدأُ الكونُ بالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تنتفي الأضدادُ التي تتعاملُ مع الكونِ والإنسانِ. فتذهبُ (القسوة/الكرهُ/الظلمُ/..الخ) أدراجَ الرياحِ فلا نرى سوى أنوارَ (اللين/المحبّة/العدل/..الخ) تنتشرُ أمامنا وتهدينَا إلى طريقِ الله.

اللهُ الذي أعرفه يقولُ في كتابه العزيز: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ}؟

والإكراهُ لا يتأتّى إلا بالتضيّيقِ مهمَا كانت طريقته أو شكلهُ أو مُستوى ممارسته. إن الأسلوب الربانيَّ سمحٌ حتى في تعميمهِ لخطابه فهو لا يخاطبُ فئة معينة بل يخاطب (الناس) في أي مجتمعٍ يعيشُ أفرادهُ فيه مُنتفعين ببعضهم البعض في شتى مناحي الحياة. وهنا لا يكونُ “الإكراهُ” إلا وسيلةً لتشتيت هذه الرابطةِ الحيّةِ بين الناس في حينِ أن الأصلَ أن يجمعَ الناس رباطٌ من الرحمةِ حتى يكونَ ما بينهم خير يقودُ للإيمان فتنتفي الخصوماتُ والعداواتُ القائمةُ على “الإكراه”.

اللهُ الذي أعرفه يقولُ في كتابه العزيز: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ}

ومن منطلق الرحمة يأتي ميزانُ العدل الذي لا ينحازُ لمؤمن أو كافر، لذكرٍ أو لأنثى، لأحدٍ على حسابِ أحد. فمن يقدم الخيرَ لعموم البشريةِ له حسنة و(تتضاعف) ومن يأتي بالشرِ لعموم البشريةِ له سيئةٌ و(لا تتضاعف)! ولأن الله تعالى لم يحددِ الخير بل تركه مُطلقاً (بالطيبات) فهنا يأتي الدورُ البشري هو تقييمُ الخير ودرجته وذلك عن طريقِ العقلِ الذي جعلهُ الله أداةً للنظرِ والترجيح من خلالِ النظرِ في الكون والتصرفاتِ والتدبرِ فيهما مليًا.

اللهُ الذي أعرفه يقولُ في كتابه العزيز: {وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا}

كُلُ البشرية ستأتي إلى الله ليستعرضَ معها أعمالها وما قدمت، ولأنهُ تعالى عادلٌ سيأتيهِ كل فردٍ (بنفسهِ) دونَ أن يكونَ معهُ شركاءٌ فيما قَدم. دونَ أن ينظرَ الله إلى من كانوا معه. دونَ أن يحاسبَ انتماءهُ أو حزبهُ أو حتى قبيلته ودونَ تابعٍ ومتبوع. سيكونُ (اللهُ وهو والميزانُ) فقط .هُو وما أنتجهُ عقلهُ وقادتهُ إليهِ جوارحه فلو “ضل” الآخرون حوله كانَ “ضلالهُ” هو وحده، لأن الله يحاسبهُ وحده!

اللهُ الذي أعرفه يختمُ كتابه العزيز بسورةِ الناس: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)}

وذلك ليفهمَ كل من يقرأ هذا الكتاب المجيد {إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} فهو ربهم وملكهم وإلههم الذي يبدأون به ويلجؤون له وينتهون إليه من كلِ وسواس يأتي من “الجنِ” أو من “الناس”. إن الرعب الذي يُربكَ الناس من وساوس الجن طبيعي، أما الرعبُ الذي يدبُ في أوصال الناس من وساوس الناس مهيب وغير طبيعي لأنهُ ينفي العقل إلى أوديةٍ بعيدةٍ فيكونُ ساكنهَا معزولاً عن (الناس) لا يتكلمُ لغتهم ولا يفهمُ ما يقومون به لأنهُ يعتمدُ على أناسٍ مُعينينَ في فهم الكونِ وادراكه!

ربطُ رحمةِ إلهِ الكونِ بالناس على عمومهم ليسَ سراً إنمَا أمراً مغيّبًا عن الوعي الذي لا يقرأُ كما يجبُ فلا يفكرُ كما يجب فينساقُ وراءَ كلِ شيءٍ لأيِّ شيءٍ دونَ علم أو دراية فتعمَ الكارثةُ عليه وعلى من حوله. ربطُ الرحمةِ بالناسِ أجمع اتساعٌ حضاري مُلزمٌ لتحويلِ الكونِ إلى خير، فهو عملٌ انسانيٌّ يشاركُ فيه الكلُ دونَ تمييز. ومناطُ العملِ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.

رأيان حول “اللهُ الذي أعرف..!”

  1. جواهر جابر يقول:

    مقال رائع انه الله الذي اعرفه انا ايضا سبحانه جل في علاه هو الخالق المدبر الرازق واكثر من ذلك مما علمنا اياه سبحانه ومما استأثره في علم الغيب عنده جعلنا خلفاء في الارض لتعميرها ليس لتدميرها خلق لنا عقولا لنتدبر ونتامل معجزات خلقه وبديع صنعه لتزيدنا ايمانا بوجوده وقدرته ورحمته ويعمل هذا العقل على تحليلها والاستفاده منها والشكر عليها وخلق لنا ارواحا نستطيع من خلالها الاتصال المباشر بالله سبحانه وتفضل علينا بكتابه الكريم ليشرفنا بخطابه هدى لنتعلم منه الرحمه والعدل والحق ولنتادب بادابه ولنصلح انفسنا ونتغلب على اهوائنا و وساوس الشياطين من الانس والجن ولنتراحم ونتلاحم انا وانت مجرد عضو في بنيان الانسانية جمعاء هناك مكان في داخل الانسان الحي بالله يحب كل انسان مهما كان هذا الانسان اللهم الهمنا الصواب في القول والعمل اللهم ارزقنا لذة النظر الى وجهك الكريم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *