حِكَايَة

أنَا اتْجَاهاتكَ الأرْبَعة

“حبيبي”

” حبيبي بابا “

صوتان لم يتكررا في حياتي، صوتُ زوجتي الناعمُ جداً، وصوتُ ابنتي الناعمُ جداً جداً. لا أذكر صوتَ أمي حينَ نادتني أول مرة بـ: حبيبي. صوتها تبعثرَ منذ زمنٍ طويلٍ في سنواتِ البادية، غائراً في رمالها التي كانت تغورُ فيها قدميّ الحافيتين.

الحياةُ تبدأ حينَ نحبْ. وأنا حياتي بدأت حينَ سمعتُ صوتهَا أول مرة. حينهَا علمتُ أن لن يكونَ لي مَفرٌ منها. ففي صوتِهَا عصافيرُ طارتْ من وَلهْ، ورِقةٌ تناهت حَتى جاوزتْ بياض الياسمين. وأقسمتُ على قلبي منذ قالت: “نعم؟” ألا يصوب سهامَهُ إلا على قَلبهَا حتى أصير قِبلتها.

وحينَ رأيتهَا صارَت تنهيداتُ عِشقِها الثفافيدَ* التي ترافقُ سفري وتتوسدُهاَ طائرتي. وصارتُ الغيومُ خفيفةً جداً، والمَطباتُ الهوائيةُ أنعمَ من الحرير!! صارت كلُ تفاصيلِ هذه “الكابينة” قطعةً من الجنَة حين أعادتْ وَصفهَا على شَفتيها. صُرتُ أشتاقُ للعودةِ كما أشتاقُ لاشتمامِ رأس أمي حينَ أقَبِله. وكُلمَا عدتُ أمطرَت هذه النَديةُ سمائي بكلماتٍ لم أعلمْ لهَا سميّا. هي الرقيقةُ الأديبةُ ذات الأطراف الناعمةِ وأنا المَملوء بالترحالِ وتذاكر السَفر!

السفر يُقربنا ممن نحب. لأنه يمنحُ للشوق فرصةً للاستزادة. فيكونُ فيه إنتظارُ المحب لحبيبهِ في أسمَى حالاتهِ فتتجلى روعةُ الانسانية في المشاعر، وروعةُ الإنتظار في تذكرِ التفاصيل. هي تَكرهُ أسفاري الكثيرة ولكنهَا تعلمُ أن في كلَ رحلةٍ تجديدٌ لما بيننا وزيادةٌ لعمقهِ واتصاله.

تجيء هذه الذكرى على بالي، في هذا الليل الطويل، في مثل هذه الساعةِ تماماً، كنتُ وحيداُ خالياً إلا من ذِكراها. أبتسمُ من جنونها، غارقاً في هديلِ صوتِهَا وهي تَسردُ عليّ أشياء كثيرةً وتفاصيلَ قد لا تهمني ولكنهَا تطربني. يدانِ امتدتا على كَتفين وعطرٌ باردٌ باغتَ سُكوني:

-قلتُ لكَ: لن أقول أحبكَ حتى تستريحَ يدايّ على كتفيك. لن تكونَ هذه اللحظةُ إلا من السَمَاء وفيهَا. أحبك.

في تلك اللحظة لم يكنْ بيننا وبين السماء حجاب، وبيننا وبين الأرضِ آلافُ المسافات. هناكَ لحظاتٌ من نور تشبهُ تماماً لحظةَ ادراككَ أنك لا تحبُ فقط، بل أنكَ لشدةِ الحب صرتَ مَلاكاً. في تلك الليلة بالذات علمتُ أني لا أحبها فقط بل أنهَا وَلهُ الكمالِ فيّ. إن الحب الذي تباركهُ السماء لا يمكن للأرض أن تُشتته. هي المرأة ُالتي تعرفُ متى تُشرقُ ومتى تغيبُ وكيفَ يكونُ كلاهما، تركتْ لي ليلتها ورقة كتبت عليها:

“وفي السَماءِ قَلْبي يَحرُسك، وأنَا اتْجَاهاتكَ الأرْبَعة”.!

صوتُ طفلتي يجتاحنُي بقوة وهي تقولُ: “حبيبي بابا”، كم ضَحكنا حينَ نطقت بها أولَ مرة بعد أن قالت الفاتنةُ الأولى. تزيدُ على كل الكلماتِ (بابا). تكررهَا كلما رأتني خارجاً من المنزل “بابا حبيبي” كأنها تعلقُ لي تميمة عودةٍ فأعودَ إليها كلَ مرةَ فأراها بعينِ الحبِ وقلبِ الكمال كأول مرةٍ رأيتهَا فيها. ينداحُ من عينيهَا ذلك الألقُ الشبيهُ برونقِ أمهَا، وحسنُ مخارجِ الحروف من شفتيهَا، تقولُ كلَ ما تَقول أمُهَا فأكون بينهُما شهرياراً وهما (عينيّ زادي). هناكَ أصواتٌ تجري فينا مجرى الدمّ. أصواتُ من نحبُ تختٌ شرقّيٌ يضفي على كل المقاماتِ طرباً مُترفاً.

مُتلهفاً في هذه العودةِ لاشتمامِ مَفرقِ رأسيهما، ما أجملَ العودةَ حينَ تكونُ متأكداً أن هناكَ قلباً ساهراً ينتظرُ احتضانكَ حتى يعيشْ. أحبُ كلُ عودةٍ لأني أعلمُ أن هناكَ قلباً فوقَ قلبي، وحِسّاً يغدقُ عليّ من الحنانِ ما يُعللُ نفسي ويطيّبُ جُرحي.

________________

*الثفافيد: سحائب بيض بعضها فوق بعض.

رأي واحد حول “أنَا اتْجَاهاتكَ الأرْبَعة”

  1. بو سيف يقول:

    تجرنا الكاتبة من البداية لاستحضار العقل وممارسة الذكاء . تلاعبت بالكلمات وجعلتنا أمام مقطع مليء ووفير بالمعلومات .

    ““حبيبي” ” حبيبي بابا “” الابنة حضورها بجوار الزوجة قسَم المَكَان لقسمين وجعل القلب بنصفين اثنين. لكنها بكل ذكاء أعطتنا فأجزلت العطاء بمعلومة مدسوسة هنا ” صوتُ زوجتي الناعمُ جداً، وصوتُ ابنتي الناعمُ جداً جداً.” هذا تفضيل . وتأكيد أن حب الزوجة أو الزوج لا يمكن أن يطغى على حب الأبناء إلا في الأفلاطونيات . وأيضا هنا ” لا أذكر صوتَ أمي حينَ نادتني أول مرة بـ: حبيبي.” حب الأم لأبنائها فرض وأمر فطري لذا كلمات الحب بينهم مستمرة ولا داعي لتذكر شيئا لم ينقطع ومتكرر.

    وحتى عندما غاب الزوج عن المكان، قام الزّمان بعرض المشهد مكتملاً ،وإن وصفتُ الأمر بدقّة فإنّي أصفه كالجهاز الذي يعرّي القلب .

    في أحيانا كثيرة رفرفة أجنحة المفاجأة لدي! كيف حاولت الكاتبة بحروفها النُّورانيّة الهروب بالنص لمناطق آمنة في كثيرا من المقاطع وفي دواخل حروفها سعيرٌ متأجِّج يأكلها.

    تلك النّاضجة التي لا ينقصها فكْر ولا قدرة
    كيف سمحت لجُزار الحروف أن يُطيح بأكثر الأفكار قوة ؟

    من غير أن تكشف أمراً أو حتى تجعلنا نتمكن من استكشاف السّبب والمسبِّب أو نوعيّة الرابطة بين المعلول وعلِّته!

    الحروف قد تُصيب الأفكار في مَقتلٍ كي تعبر الأديمَ تلو الأديم وتُلغيها أو تجعلها ضبابيَّة وباكية!.

    ونضيعُ كلَّما حاولنا تفسيرها .

    في السَّمَاء يا شيماء.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *