نَصْلٌ مُصَوّب

آن لأبي حنيفةَ أن يمدَ رجليه!

في إحدى المدن الريفية الهادئة جداً والجميلة جداً في بريطانيا، يعيش رجلٌ مسنٌ وحيداً في قريةٍ صغيرة لا تجدُ فيها الكثيرَ لتفعله، هادئةٌ بأناسها وجوها البديع وخالية من ضجيج المدينة تماماً. يبدو جلياً أن هذا المُسنَ يحب مدينتهُ الملهمة هذه حباً جعلهُ يفكرُ في تخليدهَا بيديهِ ودونَ مساعدةِ أحد. فالإنسانُ بطبيعتهِ يخلدُ ما يحب، ويعظمُ ما يعشق.

أقام هذا الرجلُ في باحةِ بيتهِ الخلفيةِ نموذجاً مصغراً لكاملِ المدينة الريفية من الأحجار الصغيرةِ المتراصة بطريقة هندسية بديعة بتاريخها، والمناطق الأثرية والسياحية فيها، وأشهر الشخصياتِ في هذه المدينة وطريقةِ عيش الناس فيها. تفاصيلُ قد لا تخطرُ على البال. تمرُ بينَ هذه النماذج الصغيرةِ كأنك تمر على كاملِ المدينة. هذه الباحةُ تمثلُ حبهُ لمنطقتهِ وتقدسيهُ لهَا.

أما الباحة الأمامية فقد جعلَ منها قطعةً بديعةً من حدائق صينية. غرفٌ من الخيزران وجسور صغيرة تربطها ببعضها البعض جسور مصنوعةٌ من ذات الأحجار الصغيرةِ تجري من تحتها أنهار وأزهارٌ تطفو على المياهِ برقةٍ متناهية. وهذهِ الباحةُ تمثلُ بلاداً يعشقُ تُراثهَا.

في المدخلِ الرئيسي لهذا البيت الفاتن، والذي يعدُ مقصداً سياحياً في هذه المدينة كتبتْ هذه العبارة:

“عملت أنا وزوجي في منزلنا ما يقارب الثلاثين سنة، وما زال زوجي الذي يعاني من مرض مزمن يجعل من حركتهِ صعبة إلا أنه يعملُ بجد حتى يكمل هذا المكان ويحققَ حُلمنا ويصبحُ هذا المكان أسطورة من أساطير منطقتنا الجميلة”

استقبلنا الرجلُ بعدَ أن أنهينا جولتنا بكلِ ذهولٍ في غرفةِ الجلوس التي تتحولُ ليلاً إلى غرفةِ نوم في آخرها مطبخٌ تحضيريٌ صغير وطاولةٌ صغيرةٌ عليها الكثيرُ من الصور القديمة له ولزوجتهِ المتوفية، وصور حديثةٌ لولدهِ وحفيده. الحديثُ معهُ كانَ مُلهماً. فرؤية يديهِ بكلِ الجروحِ وكل التعب الذي يسكنهما لكثر ما صقل من أحجار لبناء المدينةِ المصغرة، تجعلكَ تنظرُ إلى يديكِ متسائلاً: ماذا قدمتُ؟!، وإلى عقلك ساخراً: في ماذا فكرت؟! إن حلمهُ وزوجتهُ يكمنُ في رغبتهما في المشاركة في صناعة تاريخ هذه المدينة وأن يصبحَ هذا المكانُ سيرةً موثقة تهتمُ بهِ الحكومة كأحدى ممتلكاتها التاريخية. وبقدرِ الحزنِ الذي باغتنا عندما حكى لنا قصته وزوجته، بالقدر الذي أجلّلنا فيه حرصه على استكمالِ الحلم.

إن الانسانَ الذي لا يحلم إنسانٌ غيرُ قابل لمتابعةِ الحياة. ومشاعرنُا بوصلةٌ لأحلامنا وطُموحاتنا. إن الذي يعملُ لهدف نبيل لا يخذل لأنهُ يُسخِر الطاقةَ الكامنة فيه في الطريقِ الصحيح. فإن أحسنَ عمّ الخير وإن أخطأ حسبهُ أنهُ حاولَ ولم يركنْ للكسلِ والخمول. إن دافعَ الإنسان للمشاركة في صناعةِ الحضارة رغبةٌ طبيعية وفطرية عليهَا أن تُصقل وتُنمَى حتى تأتي بثمارهَا فتكونَ شهية رَضية. فإن تركت دونَ ذلك اندثرت تحتَ ركامِ سفاسفِ الأمور.

كثيرةٌ القصص التي نقرأها عن أناسٍ غيروا وجه التاريخ، وآخرونَ بدأوا عملاً وأكملهُ آخرون عنهم. ولكن كم شاباً منا فكر أن يطلقَ العنانَ لفكرهِ ويمدَ بصرهُ إلى حيثُ لم يبصر الآخرون؟!

أشعرُ بالحزن كثيراً عندما أرى شباباً يهيمُ على الأرض دونَ أن يكون له هدفٌ في الحياةِ حتى على الصعيد الشخصي. فقبول الشخص أن يكونَ زائداً على الحياة يعني اعترافهُ الضمني بعدم أهميته. هذا يشبهُ تماماً ذلك الذي ينهضُ صباحاً ليذهب لعملهِ وما إن يجلس على مكتبهِ حتى يبدأ في تصفح الانترنت ثم تصفح كل الجرائد الرسمية الورقية مع كوب من الشاي الأحمر ماراً مرور الكرام على كل الأخبار المهمة منتهياً بتركيز تامٍ على الصفحة الأخيرةِ في الجريدة حيث كاركتير اليوم وبعض الأخبار الغريبة التي تأت تحت: “حول العالم”!

اهتماماتنا تعكس مدى نضجنا العقلي. فإذا ارتفعتْ عن الهمّ الشخصي إلى الهمّ العام استطعنا القولَ بأننا أمام إنسان ناضج مؤهلٍ للقيادةِ والريادة. أما إذا كان اهتمامُ الفرد بهمه الشخصي أعلى من الهمّ العام فإننا أمامَ شخص لا يمكن أن يُعول عليه.

كثيرون يستهينون بالأعمال الصغيرةِ النوعيةِ المتفرقة هنا وهناكْ، متجاهلين أن هذه الأعمال والأفعال مهما صغرتْ فإنها بتراكمهَا ستكونُ عظيمةً إذا ما وجدت الاهتمامَ الحقيقي ولو بعدَ حين. إن الفعلَ الحضاري والمساهمة الفاعلة يحتاجانِ إلى قوةٍ داخليةٍ وإلى مجتمعٍ يوجهُ هذه القوة في الإتجاهاتِ الصحيحة. لكل مجتمعٍ نقاط قوة ونقاط ضعف، فالأولى تستثمرُ وتُطوّر والأخرى يُبحثُ عنهَا وتُصّوَب. وإذا لم يساهم الشبابُ وهم روحُ المجتمعاتِ المَدنية فلن يحدثَ ذلك ممن شاختْ عقولهم قبلَ أجسادهم، ثم لن يكونَ لنا عذر حين يَسألُ أبناءُنا ماذا قدمتم أنتم؟ ونجيبهم إن آبائنا لم يعلمُونا. فالزمنُ اليوم لا يتحملُ مزيداً من الانتظار وأكثر من ذلك أنه لا يَعذر المتخاذلين. إن أمامنا زمناً طويلاً حتى نستطيعَ أن نقول:

“آن لأبي حنيفةَ أن يمدَ رجليه!”

رأيان حول “آن لأبي حنيفةَ أن يمدَ رجليه!”

  1. شيخة المفتاح يقول:

    هكذا أنت دائماً رائعة في كتاباتك عميقة في طرحك .. تطاردين العبارات في لغتك الراقية .. عمق فكرك لا يفهمه إلا من من يعرف عمق فكرك .. صدق من قال ( الابن سر أبيه ) .. كم أفتحر بك .. وأسعد بكتابتك .. وتملاْ قلبي المشاعر الفياضة تجاهك .. وأقول في نفسي .. كم أحسد نفسي عليك .. يا رقم واحد في حياتي .. وضياء بيتي مع شبيهاتك .. استمري في ما خططت لنفسك .. واستمري في كتاباتك القيمة التي تحمل معاني شتى .. قد تنيري بها دروب مظلمة لمن ييبحث النور

  2. عمر محمد حلواني يقول:

    لقد لمست كلماتك في داخلي جرحاً لم ولن يندمل الا اذا ترجمت ما يجول في في عقلي الى أفعال ، طرح ممتاز وتصوير عميق ولا بد أن يلقى صدى لمن له روح وضمير!

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *