نَصْلٌ مُصَوّب

هوس الوسامة والثقافة

bookClub

نجتمع مع بعض الفتيات ضمن نادٍ أدبي اخترنا أن يكون اسمه “إمليد”، في النادي نحاول قراءة كتب متنوّعة.ابتداءًا من الكتب المعرفية وصولاً إلى الأدب هذا بالإضافة إلى امكانية حضور مناقشات المجموعات الأخرى التابعة للمجموعة الأم “خير جليس”. يقع اختيار الكتاب الذي سنقرأه إما بالتصويت وإما باختيار إحدى الحاضرات كتاب الشهر التالي. للقاءنا بالأمس، كان الاختيار قد وقع على كتاب: حكايا سعودي في أوروبا لكاتبه عبدالله الجمعة. قمتُ بوضع صورة للكتاب في حسابي الخاص في الإنستقرام تفاجأت بعد مدة بأحد التعليقات قال صاحبه -نصّا-: “احسن الله عزائنا بعقولكم. هذا الزمن نعقد جلسات المناقشة والقراءة حول كتب خاوية لرحلات شاب وسيم وثري. والغوغاء والعامة رجالا وبذات نساء تلهث وراءه. هنيئًا لكم حكاياه الخطيرة!!” ثم بعد ساعة عاد وكتب -نصًا-: “اسحب كلامي اعلاه واعتذر”. كان بإمكانه لو أراد الاعتذار حقًا أن يمسح تعليقه المسيء ولكن لربما أنه جاهل في التقنية حدّ أنه لا يعرف الطريق إلى ذلك!

مؤسف أن تكون نظرة أحدهم للقراءة سطحيةً لدرجة أن يحكم على كتاب من وجهه صاحبه أو يفترض أن رأيه وحده هو الأنسب لكل حالات قراءة الكتاب بشكل لا يقبل معه الشك! أو أن يفكر أن أحدًا سيقتني كتابًا ما لثراء صاحبه. قد يحدث ولكنه ليس على الإطلاق. من الصعب الحكم على ما هو نسبي بحكم ثابت مطلق ما تراه أنت قد لا يراه غيرك وما يراه غيرك قد لا تراه أنت. ولو افترضنا أن أحدهم اقتنى كتابًا لوسامة أو ثراء أو دين أو من باب العلم بالشيء أو حتى بدون سبب، ما الذي يستوجب التوقف عنده؟ وماذا لو كان صاحب الكتاب (وسيمًا) ويقول كلامًا قيّمًا؟ أو كان (بشعًا) ويقول كلامًا قيّمًا أو كان الاثنان -الوسيم والبشع- يقولان كلامًا بلا معنى؟ ما الذي يمنحك الحق أن تصدر حكمًا دون أن تسأل عن الأسباب وتتأكد مما تقول؟ وقبل ذلك ما الذي يضرك أو يمسّك في الأمر برمته أنت يا صاحب النيافة الذي تعتقد أنك الآن أفضل خلق الله؟

من حقك أن تبدي رأيك ولكن ليس من حقك أبدًا أن تعتقد أن لك أفضلية ما لأنك تستطيع كتابة بضع كلمات براقة. فرق شاسعٌ بين أن تبدي رأيك في أمر ما وبين أن تبدي رأيك في شخوص هذا الأمر. البعض يفهم الحرية في أن يقول ما يشاء وقتما يشاء وبالتطاول الذي يراه مناسبًا مع مقتضى فكرته ثم لا يسمح لأحدٍ أن يعامله بالمثل. إنها حرية الرأي التي يدعيها كثر ممن يحسبون أنفسهم على سلم “المثقفين”. الثقافة الحقيقية لا تأتِ من أفكار فقط، إنها تأتِ مع درجة عالية من الوعي بما يجب أن لا يقال قبل ما يجب أن يقال.

يضع أحدهم جهدًا في وضعك موضع المسيء دون أن يكون على دراية بالحدث الرئيس أو القصة على تمامها. استسهال اطلاق الأحكام الجزافية على العالم هو ما يجعلنا غير قادرين على النضج الذي لا يأتِ إلا بالتروي والحكمة والتعلم من دروب الحياة المختلفة. إن التفكير الأحادي السلبي يعيدنا في كل مرة ألف خطوة إلى الوراء كلما تقدمنا خطوة واحدة إلى الأمام لأننا على الأرجح لا نستطيع التحكم بمشاعرنا وجعل أحكامنا صادرة من عقولنا. التفكير بالمشاعر ليس سيئًا، السيء أننا لا نكترث بالآخر الذي قد يُجرح أو تستنفر مشاعره السلبية هو الآخر فيدخل الطرفان في صراع لا يثمر. ماذا سيحدث لو كلّف أحدهم على نفسه وقام ببحث بسيط عما هو بصدد نقده أو اصدار حكم عليه؟ 

لا أدري كيف يستسهلُ البعض قذف آخر بما لا يليق. وليس الأمر في ما قَذف به بل في المستوى الأخلاقي الذي يتمتعُ به القاذف وعدم اكتراثه بنظرة الآخرين له والتي في أحسن الأحوال لن تكون نظرة شفقة. أستغربُ أننا ما زلنا مع كل ادعاءاتنا الثقافية لا نستطيع السيطرة على أفكارنا السلبية ولا نتحمّل رغبات بعضنا البعض. نتناسى أن العالم فسيح ويتسعُ لكل شيء.  ولا يحدهُ شيء ولن يتوقف الكون على جمود أفكار البعض بل إنه يتحرك بإستمرار بسبب تفاعل الأفكار مع بعضها لبعض. هنيئًا لعقلك إن كان منفتحًا وقادرًا على الحكمة متطلعًا دومًا لنيلها وبئسًا لعقلك إن كنت قررت أن تجعلهُ لا يرى الكون إلا من ثقب ابرة.

اعتقوا الناس من أفكاركم البالية وتنفسوا الحياة بكل ما فيها مما تحبون وما لا تحبون. 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *