نَصْلٌ مُصَوّب

فوهة الجحيم

لا أعلمُ عدد المراتِ الذي ذهبتُ فيها إلى المشفى السنة الماضية ولكن في ذاكرتي ثلاث مرات منها أخذني والدي فيها إليه لشدة اعيائي. وبالرغم من أن والدي طبيب إلا أنني لا أتذكرُ أنه تدخل في أي منها في طريقة العلاج التي يقررها الطبيب المُعالج.  أقصى ما يمكنني تذكره هو أنه كان يناقش نوع الفيروس الذي أصاب عينيّ مع “صديقه” الطبيب المختص وأذكرُ جيدًا أن الطبيب هو الذي شرعَ في الحديث ولم يبادر أبي بسؤاله عن التفاصيل.

على النقيض تمامًا وحولي أشخاصٌ كثر لا ينفكون عن الحديث عن كل شيء، والخوض في أي موضوع مهما كانت درجة بعده عن محيط “تخصصاتهم” أو “قراءاتهم” أو حتى “خبراتهم” الأمر الذي يجعلُ من أي نقاش نقاشًا عقيمًا لا يوصل إلى أي نتيجة. ويشغلني في ذلك سؤال: لماذا علينا أن نتكلم في كل شيء ونقول أي شيء؟ ما ضرورة “اثبات” وجودنا، إذا كان هذا الإثبات لن يضيف إلى قيمتنا بل على العكس ربما حطَ منها بقدر ما نقدم من آراء أو أفكار لا ترقى إلى مستوى النقاش المطروح؟

إن المتخصص في علمٍ ما قد لا يعجزهُ الرد على مسألة مُعينة ولكنه قد يمتنع عن الدخول في نقاشٍ ما لجهل المُناقِش واصراره على رأيه. وفي الإصرار والتعنتِ مشكلة جسيمة فحين يستشري الجهل في عقل الإنسان فإنه يتحكم تلقائيًا في سلوكه ويلجمُ كافة مستويات التعقل المفترضة. ولا أسوأ من جاهل يناقش بحدةٍ ويتطاول على شخص متناسيًا أن الحديث حديث علم لا حديث فرد. ومن لا يستطيع التصبر والتروي قبل اصدار حكم ما، عليه أن يدرك مدى ضآلة علمه وضعف شخصيته.

قد يكون صعبًا على الكثيرين التوقفُ عن اصدار الأحكام والتوقف عن الدخول في النقاشات والمشاركة في كل ما تطاله أسماعهم وذلك للعدد المهول من المعلومات التي يتلقاها الفردُ من جراء احتكاكه بالأفراد الطبيعيين أو الذين يلقاهم في الحياة التكنولوجية الواسعة والتي تشغل حيزًا شاسعًا في حياتنا اليوم. ولكثرة الضغط يجدُ البعض نفسهُ مشغولاً بالرد على كل ما يتلقاه دون تمحيص ودراية بل ويتجاوز لمرحلة الإفتاء بغير علم تسليمًا بأن ما يتلقاه صحيح دون تمريره على عقله لنقده أو “قوقل” لمعرفة مدى صحته. وهكذا تستمرُ دوامة “القال والقيل” وتتفشى السذاجة بين الأفراد وفي المجتمع وتعم السطيحة في كل ما يطرحُ حولنا.

هل جربتم يومًا جمال الإنصات وروعة الصمت والدُنيا في ضجيج لا يهدأ؟ توقفك عن الانسياق لحديث العامة والتوقف عن التدخل في شؤون لا تضيفُ إليك وإلى شخصك وعلمكَ شيئًا يعني أنك قادرٌ على تطوير نفسك وشغلها بما ينفعها لا بما يشتتها. يعتقد البعض أن (المثقف) هو من يستطيع المشاركة في أي حديث كان، إلا أن المثقف الحقيقي هو الذي يعرفُ متى يتكلم ومتى يصمت وفي أي حديث يشارك وعن أي حديث يمتنع. اختيار الحكماء للصمتِ ليس لقلة العلم بل لواسع المعرفة. يقول جلال الدين الرومي: أيها الفم، إنك فوهة الجحيم.

رأي واحد حول “فوهة الجحيم”

  1. مختار هاشم يقول:

    وكما قال الشافعي
    كلما ازدت علما زادني يقينا بجهلي
    اللهم اعنا على السنتنا يارب

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *