حِكَايَة

كل الهناءِ كذب

1-fear-katerina-apostolakou

لم يكن لديّ الكثير. كانت لدي يدٌ تمتدُ وأخرى تتراجع وتختفي تحت كثيف أوجاعي. كان صاحب البقالة الذي ينظرُ بنصف عينيه المفقوءة في عينّي مباشرة، يساومني على نظري. في كل مرة أطلبُ منه أشياء لا أتمكن من دفعِ ثمنها. الفاتورة تقتطعُ من عُمري. لكنها الحياة التي أرادت مني أن لا أستطيع دفع ثمن احتياجاتي وزوجتي البسيطة؛ الخبز على سبيل الضرورة. كان الكربُ أن أحتاجَ ويدّي عزيزة.

في رحلة عنائي اليومية أنتقل في آخر الليل حتى أصلَ بستان فالح بيك مع شروق الشمس. الليّرات القليلة التي معي لا تمكنني إلا من شراء الجزر. ذلك الذي لا يأكله أحد. ولكنه قوت يسير. يسدُ ولا يكفي. رثة الحياة حين تخلو من المباهج. وأنا ليس معي إلا فتنةُ شام زوجتي. ولكن الفتنة لا تُطعمنا ولا تسقينا ولا الحب يفعل ذلك. كل الكلامِ سهلٌ وكل الهناءِ كذب حين تنتفي القدرةُ على تحقيق الكفاف. أعودُ إلى المدينة والنصَب يتساقطُ  من جبيني. وبين أطرافي نهاياتُ حياة. أتقوّم بالماء السبيل الذي نَذرهُ شيخ المسجد الجليل لعابريّ السبيل. ولم يتجرأ أحدٌ من أبناءه من بعده على قطعه. أبيع ما تيّسر من الجزر. ليس كثيرًا. معظمهُ عَفنٌ غيرُ صالح، وحين تُزال عنه الأطراف العفنة يبقى القليل. القليل الذي يستخسرُ الناس دفع أي ثمنٍ فيه. ولكن فالح بيك يرفض إعطائي أفضل منه. يقول صارخًا في وجهِ عازتي: حِلْ عَنّي.

كان بمقدور الحياة أن تظل هكذا. أعني أن لا تسوء بما لا يمكنني تحمّله. أنا لا أريد أن أتصالح معها. أنا أريدها أن تتركني أعيش دون فاقةٍ جارحة أكثر. هيئتي؛ داخلاً الدنيا عاريًا، خارجًا منها بكسوةٍ بالية، لن أدفع ثمنها، سيتصّدق علي أحدٌ بها. أو ستبيع شآم إن متُ قبلها و-سأفعل- شيئًا وحيدًا تمكله كخاتم الزواج الرخيص الذي أهديتها إياه ربما.

مرت الأيام عجافًا وأبت إلا أن تمر بكل ما أوتيت من عُسر. هكذا، صرنا فجأة في حربٍ مباغتة. أطفالٌ يموتون ونسوةٌ تتقطعُ وجوههن لكثرة النحيب، ورجالٌ لفرط العجز يرحلون. أقول عن الرجال فقط أنهم يرحلون. رحيل الرجال انكسار أعظم. ليس في الحياة أقسى على رجل من الرحيل المباغت. الرحيل تذكرة الرجل لعالم يفقد فيه رغبته في الحياة تدريجيًا. أبيت فكرة الرحيل. تحت القصفِ كنت أحتضن شام بكل قوة والعجز رفيقي، أقول لها كل يوم:عليكِ أن ترحلي مع النسوّة غدًا. غدًا عليكِ الذهباب وسأتبعك عندما أستطيع. في هذا البلد لديّ هذا البيت عليّ أن أدافع عنه. إذا كنتِ لدي، على البيت أن يكون لديّ. لا وجود لنا سويًا دون بيت يا شام. تأبى شام وأنا أموت ونهدها يقاومني. أنا أحاول مقاومة الحياة خارج هذا الحضن. سوّفت إلى أن زادت خفقاتُ قلبها بما لا تحتمل. قَبِلت تحت وقعِ قُبلاتي المستجيرةِ بنبضاتها أن ترحل ليبقى نبضها حيًا. قبِلَت. فبدأت حبات الجزر تموت في مخيلتي، والزمن يذوبُ في فمي. كان على الأشياء أن تموت لتبقى شام.

رحلت شام وبقيت أنا ووعدي الواهن بأن أتبعها عندما أستطيع. الرحيل ليس للرجال. دموعها كانت أشد من القتل. أشد من الخرابِ وأصواتِ المدافع. تعلمتُ أن لا شيء يموت بعد أن تموت الروح. الحياة واحدة بعد موت الروح. خالية من أي مَقام. شام مقام الصبا. رحلت وبقيت أنا ووعدي. لن أرحل. تتجبّرُ الحياة وتظلُ واقفة وتنظرُ إليك بجلافة. تزجرك: ماذا تنتظر؟!

تبددت الحياةُ شيئًا فشيئًا تحت الأنقاض. لم يعد للعويل أثر. ماتت الأصوات. لم تتبدد الوحشة. كنت عند ماء السبيل أحاول أن أشرب. لم يبقى سواه حولنا. الجفاف كان يستفشي. القنينة لم تمتلئ. حظي العاثرُ ملأها. واضعًا يدي على رأسي كفعل طبيعي احتياطيّ. رأيتُ دخانًا كثيفًا من اتجاه حييّ. سيموت. كنتُ أقول في ذلك في سرّي ثم علا صوتي وطار إلى السماء الخاوية. سيموت الحي. لن يبقى الحي. بيتي هناك. أنا هُزمت. بيتي الذي كان، بيتي الذي صار ركامًا الآن. رأيتهُ في رمقه الأخير من الإنهيار وبكيتُ لا لأنه ينهار بل لأن العزّة التي كانت لديّ هُدمت. ماذا أنا الآن؟ أدخيلٌ على الحياة بشكل ملعونٍ هكذا؟ أم أنني كنتُ أحتاجُ لئلا أكون؟ يا الله. بددّني. بددّني كما لو لم أكن. أنا تعيس وإيماني رخوٌ ولم يعد هناك متسعٌ لي. أنا لا بيت لي ولا شام! أنا لا شيء سوا هواءٍ يمرُ على أحدهم ولا يستنشقهُ.

كنتُ أتآكل. وجسدي يضمحِل. لم يعدُ لي شيءٌ هنا وما زلت باقيًا. مرت الشهور وأنا لا شيء إلا خيالُ إنسان يتنقلُ على قفا الحياةِ دون أن يدري كيف ولماذا. أتى صوتُ شام عبر هاتف أحدهم يتوسلُ الوعد: أرجوك تعال إليّ. قلتُ هزيلًا: الرجال لا يرحلون. قالت من حُزن: كن أي شيءٍ وتعال إليّ.

أنا الأيُّ شيءٍ حملوني في وسط الجوع وانتفاء الحياةِ فيّ سيارة نقل كبيرة، مدفونًا تحت أكوامٍ من التفاح. لا أذكرُ كيف كان طعمُ التفاحِ أصلًا. تذوقتهُ في يوم عرسي. ولا أذكرُه بعد ذلك. الفاقةُ تتذكرني. كنتُ محجوزًا هكذا لأهرّب من على الحدود دون أن يراني أحد. كنتُ ميتًا مدفونًا تحت أكوامٍ من التفاح. ليس هذا الموت الذي أعرف أو سمعتُ عنه، أو رأيته بعينيّ. أنا الحيّ الميت تسكرني رائحة التفاح وبطني تتضور جوعًا وأنا لا أسرق. طرقتُ الحديد من خلفي ليسمعني السائق. لم يسمعني حتمًا. إنه لا يرد. أقول لنفسي: الرجل لا يسرق. خفقة في بطني؛ لو سرقتُ ستقطعُ يدي؟ كم يدًا ستقطع في بلادي؟ أقلّها أياديّ الذين هدموا منزلي. يديّ لا. نمتُ وصحوتُ على الرائحة تخترقُ أنفي. لا يمكنني تقدير الزمن الفعلي لوضعي هذا ولا أعرف متى سنصل أو أين نحن. فكرت، ماذا لو أكلت تفاحةً واحدة ثم استأذنت السائق فيما بعد فيها. قد يكون استإذانًا متأخرًا ولكنه مجدٍ. حاولت أن أستخرج واحدة من حدودِ الأخشاب المهترئة فوقي ولم أفلح. قوتي لا تسعفني، وعقلي يردد: سيقطعون يدك.

وصلنَا، هكذا اعتقدت. الآن ألتقي شام. صحوت والماء يغمرني وجدوني غائبًا عن الوعي وحولي قيءٌ لا أتذكره. رأيتُ ووجوههم تحاول مساعدتي لأنهض كنتُ ضعيفًا جدًا ولم يكن لديهم الوقت الكافي للإعتناء بي. انزوى الرجلان بعيدًا عني وتوشوشا صرخت بما تبقى لي من صوت: لم أسرق شيئًا. لا تفعلا شيئًا بي أرجوكما. الخوفُ عاصفةٌ هوجاءُ لا  تهدأ. جاء أحدهما وقال لي: اعذرنا، لا نستطيع أن نأخذك إلى أبعد من هذه النقطة. عليك العبور وحدك. لا نستطيع تحمل مسؤوليتك. صرخت: ولكنّي لم أسرق شيئًا. نظر إليّ ثم تجهّم وقال: أنت مجنون! خذّ هذه الكيس واذهب من هذا الاتجاه ستجدُ أحدًا يقلك إلى هناك، لن تكون وحيدًا. الهاربون أكثر من نبات صحراء. نظرت حولي: كان المكان صحراء قاحلة. أخبرته أني لا أستطيع الذهاب وحدي. ألقى بالكيس إلى جانبي مضى وقفز إلى السيارة وانطلقا دوني ودون أن يلتفتّا إليّ.

كانت الصحراء حقيقية. لا شيء سوى الفراغ أمامي والسراب، وأنا ملقىً على التربة الصخرية أحاول الوصول إلى الكيس. أشتمُّ رائحة طعام أخيرًا. باغتني الوهَن وبصعوبة شربت الماء والأصعبُ كان أن آكل بعد صيامٍ طويل جدًا. الجوع كان يملأ بطني. فكرت في النور الذي يتنشرُ في بصري..في الخير الذي تركاهُ لي.  كان خيرًا في كل أحواله. أنا لم أدرك خيرًا قط إلا في شام. مضى وقت، لم أشعر به إلا حينَ هبت علي نسمة يتيمة. كان الوهن غادرني من أطرافي. مشيت متجهًا إلى الجهة التي دلوني عليها. لم يكن أمامي شيء إلا اتساع موحّش. الدُنيا تميلُ إلى المغيب. كل ما كان لديّ لم يكن يقينًا. الرجال يرحلون وينكسرون ويمضون إلى أقدراهم بلا حول ولا قوة. وشام تنتظرني. وفي الحياةِ ربما متسعٌ لحلمٍ جديد.

رأيان حول “كل الهناءِ كذب”

  1. سميتك يقول:

    نص جميل .. مؤلم .. و موجع في ذات الوقت

    اعجب منك وانتِ الرقيقة كيف حملتي كلماتك كل هذا الحزن و القسوة .. فاجأتيني يا مبدعة ..

  2. بو سيف يقول:

    أدهشني النص . ذكائه .. منطلقاته الفكرية .. كلماته .. خطوات الألم و الكرب و الأمل المفقود ثم التمسك في بقايا الحلم . موسيقاه الحزينة .. صوت الحناجر البائسة المتألمة المتأملة . كل مناطق البؤس البشري ولدت في تتابع مسيرة الألم بين الحروف والمقاطع وارتفاع حدة الكرب في بعض الأحداث . البؤساء يا ( شيماء ) يحلمون بيوم الرحمة . لكن الطريق الوحيد هو رائحة الموت لا العطر !. إنصاف . هذا النص (مؤلم).

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *