ضَوءْ, هَيئَة كَلامْ

وإنه يوم عرفة.. وإنّا لمشتاقون

في مثل هذا اليوم العظيم، تتجردُ الطبيعة من أصلها، فيتغير الجو ويصبحُ لطيفاً حانياً، والسماء أشد نقاءً وزرقة، ويصير الكون حولنا نداءً واحداً: لبيك اللهم لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريكَ لك.

ترددها الألسن بحب وامتنان لله الواحد الذي ألهمها سبيل الهداية ووفقها لتكون بين يديهِ في هذا الموقف العظيم. وتصبحُ رهبةُ الموقف دموعاً تتوالى دون توقف كلما رقّ القلب وزادت خفقته. يصبحُ الدعاء شفافاً تتوغل كل كلمةٍ منهِ إلى أعماق النفس السحيقة لتربت على حسناتها وتزيل الغشاوة عن معاصيها. ويغدو الحبل المتين بالله أوثّق. وكل ما فوق التراب تراب*.

في يوم عرفة فقط، يصبحُ المرء شفافاً مُتعرياً من ذنوبهِ لأنه يضعها بينّ يديّ الله يطلب منهُ إلغائها من مسيرةِ حياته. وفي هذا اليوم لا يكون الخوف الأكبر من وعيد الله، بل الخشية من عدم الدخول في زمرةِ المغفور لهم، وثلةِ الذين يرجعون كيوم ولدتهم أمهاتم.

في هذا اليوم المبارك، يختفي من حولك كل البشر وكل الشجر وكل الأشياء التي قد  تشغلك عن ذكر الله، تغمض عينيك وترفع يديكَ ووجهك مخضبٌ بالدموع الدافئة حناناً وولهاً وطمعاً في التزّيد من التقوى. تتلاشى قيمةُ الأشياء حولك ويُشكف الحجاب الذي بينك وبين الله، فينطلقُ لسانك بكل ما في صدرك من كلامٍ بدون تنسيق أو اتساق. فالله أعلم، والله أكبر، والله يعلمُ السر وأخفى. تبقى صامتاً ماداً يديك تغطيك العبراتُ ويخرسك هول اليوم وشدةُ نقاءه. تنطقُ دموعك بلسان قلبك، وينطقُ قلبك عن نفسك.

منظرُ الحجاجِ على جبل عرفة منظرٌ مهيب، كأنهم لآلئ رصعت بها الدنيا. تراهم يزحفون الهوينا حتى تتعفر أجسادهم بالتراب، وتصبحُ ملابسهم البيضاء أشد بياضاً كلما رددوا: اللهم اغفر لنا وارحمنا وأدخلنا في الصالحين. يخيلُ إليك بعد رحيلهم أن المكان لفرطِ دموعهم سيغدو ربيعاً مزهراً. ولفرطِ خشيتهم مزاراً مباركاً.

في وقت الإفاضة إلى مزدلفة، يترك الحجاجُ شيئاً من أرواحهم تسيحُ في عرفات كما شاءت، حتى يجبرهم الحنين إليها للرجوع للحج قريباً. في يوم عرفة فقط وفي مزدلفة تتجسد لك كل الآياتِ القرآنية التي تحملُ معاني التوّحد والتعارف ومعنى أن الناس سواسية، وأن الإنسان مهما علّى وطغى فإن الله فوق كل عالٍ مهما تجبّر. تحاول جاهداً أن تجد لك مكاناً يتسعُ لجلوسك لا يهم من من الناس حولك المهم ان تجدَ لك محط قدم، ثم من شدة التعب قد تغطُ عيناك وأنت جالس في مكانك دون أن تطلب من أحد أن يفتح لك جهاز التكييف، ودون أن تتدثر بلحافك المتميز ودون أن تتذمر كما في بيتك من علّو أصوات الأطفال الذين يلعبون!

تجددُ وضوءك مع ملايين البشر بأعراق مختلفة في مكان واحد لا تفهمون لغة بعض إلا أنكم تمارسون ذات العبادات وذات العبارات التعبدية. مزدلفةُ المكان الوحيد الذي لا يمكنك فيه إلا أن تكون عبداً لله الواحد الأحد.

في الحج تستطيع إدراك معنى حياتك، وترتيب علاقتك مع الله على أسس جديدة. فهو فرصة ذهبية لإكتشاف ذاتك، فلديك وقت للحديث والتصالح معها. الحج يعلمك التجرد من اسمك وقبيلتك، ووظيفتك وسلطتك فهو أعظم مُعلم للتواضع والتبسّط.

أخيراً

اللهم أرزقنا ما رزقت حجيجك في هذا اليوم المبارك من مغفرةٍ وعتق وخيرٍ

وصلاح في الدنيا والآخرة

* * *

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *