هُتَافُكُمْ

الحمار جوكي الثاني

بقلم: محمد العرادي
تويتر: @_al3radi

 

* * *

أنا جوكي، لا كما يريد السيد ساوشا.

وقبل أن أقول لكم أني حمار لا يصلح لأي شيء وأن السيد ساوشا قرر الاستغناء عني حتى قبل أن أهرب أو قبل أن أضيعه عندما كنت أجري خلفه على الطريق الأسفلتي، يجب أن أقول لكم أني أيضًا حالة نادرة، فأنا توأم الأخ جوكي المتوفى بحادث سير مضحك. ولكي لا يختلط عليكم الأمر يمكن أن نقول عني الأخ جوكي الذي لم يتوفى بحادث سير مضحك.

وتعود تفاصيل حادث السير لما قبل شراء السيد ساوشا لسيارة النقل الكبيرة بما يقارب الشهرين تلك الفترة التي قضيتها بدون أي أعمال نقل تذكر. إذ اعتدنا على أن يحمل علينا السيد ساوشا بعض من محصول الحقل ونذهب به إلى الدكان الصغير في القرية بعد أن نكون قد قطعنا ما يقارب النصف الكيلو ينزل البائع العجوز الحمولة بيديه اليابستين. وفي مسافة النصف كيلو نقطع الطريق الأسفلتي الطويل والحقيقة لا أدري أين ينتهي، لكن يقول لي من أقابلهم من الأصدقاء بالقرب من هذا الطريق أنه ينتهي بك في المدينة التي لا أعرف ما معناها تمامًا لكن لدي تخيل بسيط عنها، فالخنزير الذي علمني الحساب وقراءة بعض الكلمات قدمه السيد ساوشا كوجبة عشاء لبعض ضيوفه الذين حضروا لمنزله بصحبة عمته السيدة الطيبة آميا قبل أن أتمكن من سؤاله عن معنى كلمة المدينة.

ويقولون أيضًا أن الطريق الأسفلتي يذهب بك إلى البرية، هذا المكان الذي دائمًا ماكنت أحلم بالهروب إليه من الحياة التعيسة في الحظيرة تحت رعاية السيد ساوشا. سمعت الكثير من القصص عن الحياة في البرية من بعض الأصدقاء الذين أمر بهم في طريقي. حتى أن جوكي غالبًا مايسبقني بسبب توقفي للاستماع لقصص البرية وكيف أنه يمكنك أن تأكل متى شئت والكمية التي تريد ولا تكتفي بما يضعه لك السيد ساوشا و تتحرك كيف ما تشاء و تنام في أي مكان تريد لا أحد يجبرك على دخول الحظيرة،والأهم أنه لا يوجد السيد ساوشا في البرية.

والاستماع لقصص البرية أحد أسباب نجاتي من حادث السير المضحك. على أن الفضل الأعظم يعود لشجرة الحظ الكبيرة الواقفة في آخر الحقل. وهي أقدم المخلوقات في هذه المنطقة. تعتقد أمي أنه يجب علينا أن نحترمها كما كانت تفعل كل صباح تخترق الحقل حتى تصل لها ثم تقف لدقيقتين ربما أمام شجرة الحظ مغلقةً عينيها ورأسها للأسفل معتقدةً أنها تساعدها وتحميها وقد نقلت هذا الاعتقاد لأخي جوكي الذي توفي في حادث سير. أما أنا فكنت أذهب معهم وعندما ينصرفون أبقى لآكل من أوراقها ذات الطعم الغريب. أجد في طعم أوراقها متعةً لا أجدها في كل وجبات السيد ساوشا.

 

لم أكتف بهذه العلاقة البسيطة بيننا وبين الشجرة، الوقوف، تمتمة بعض الكلمات، و إبداء الاحترام ثم الانصراف، كنت أكثر تعلقاً منهم بها أبحث عن علاقة تجعل الشجرة تنتقل معي في كل مكان.

في المرة التي غضبت فيها أمي عندما عرفت أني آكل من أوراق الشجرة، أخبرتها أني أريد بقاء الحظ داخل جسدي. محاولًا أن أجد أي عذر وإن كان سخيفًا بالنسبة لها ولا تتفهمه، صحيح أنها لم ترض تمامًا بهذا العذر لكن هدأت بعض الشيء وقالت بلغة حازمة : لا تفعل هذا الأمر، وإلا أصابك السوء. أبداً لا تفعل ذلك.

لم تكن أمي مصيبة في حديثها، ففي طريق العودة بعد ما أوصلنا الحمولة للدكان. كان جوكي أخي يمشي بجد. لا يحب أن يتأخر وبذلك يزعج السيد ساوشا كان دائمًا مايشعر بالامتنان له. و دائمًا ما ينهاني عندما أحدثه عن فكرة الهروب للبرية، وغالبًا ما كان يرد علي بسخرية: في البرية سيصبح لحمك طعاماً جيداً للضباع، وإن كنت أراهن على أنهم لن يستطيعوا أن يكملوا الأكل، ثم يكمل حديثه بعد أن يتأكد من أني أسمعه: فكر بعقلك يا أخرق، هنا تأكل وتشرب وتنام وتجد من يحميك. لا أدري من أين جاءتك هذه الأفكار يا أخي، وكالعادة كان يمشي أمامي بمسافة ليست طويلة، بينما كنت أسمعه صوتي قصدًا وأنا أغني وأتمايل في مشيتي. توقف في منتصف الطريق الأسفلتي ليحثني على الإسراع، في بعض المرات كان يرجع مسرعًا ويدفعني قليلًا. و لسوء حظه ولأنه لم يأكل من أوراق الشجرة العظيمة و لأنه اكتفى بعلاقة الاحترام الشكلية. لم يرجع هذه المرة بل بقي في مكانه يصرخ بي: حتى هذه اللحظة لا أدري من أين أتت تلك السيارة الكبيرة كل ما أعرفه أنها جاءت بسرعة لم تترك فرصة لجوكي أن يهرب. وكأنها خرجت من تحت الأرض أو نزلت من السماء. بدأت أقدام جوكي تنزلق بسبب الفضلات التي أطلقتها مؤخرته لما رأى السيارة، وقد حاول الهرب بطريقة غبية، إذ لم يكمل قطع الطريق للاتجاه الآخر، وبدأ يحاول الركض في الطريق باتجاه المدينة مما لم يسمح لسائق السيارة أن يتفاداه بسهولة.

عندما اقتربت السيارة كانت ساقيه قد انفرجتا كل ساق في جهة فلم يستطع أن يكمل الجري. لم أستطع أن أنظر للحظة الاصطدام، لكن استطعت أن أنظر لما بقي من جوكي. جسم متهتك و رأس ملطخ بالدم والفضلات. فالصدمة جاءت عليه من الخلف لترميه السيارة أمامها ثم تدهسه مرة أخرى. لا أدري لماذا لم أكن مستاء من موت جوكي بقدر ما كنت مستاء من عدم حزني عليه. ولا أدري لماذا لا أستطيع منع نفسي من الضحك عندما أتذكر هروبه. كان لهذا الحادث أثر عظيم في حياتي أكثر من أثر السيد ساوشا. أصابتني البلادة، لم أعد أفكر في أي شيء مهم. حتى الهروب للبرية تلك الفكرة التي لم أنقطع عن التفكير فيها إلا عندما أنام، لم تسمح لها حالتي بالبقاء كفكرة للخلاص. توقف السيد ساوشا عن إرسال أي شيء على ظهري كل ماكنت أفعله النوم والأكل والتبول على شجرة الحظ، أشعر بحزن لا أفهمه كلما رأيتها أو اقتربت منها. أتصور أنها سبب لبقائي حتى الآن في هذا الحقل، أوراقها اللعينة هي من سمحت لي بالنجاة من الحادث. لا ترد علي عندما أسألها: يالعينه لماذا لا تذهبين بعيداً عن هذا الحقل وتتركيني وشأني.

– لم يتغير شيء طيلة الشهرين. إلى أن وصل السيد ساوشا على ظهر سيارة كبيرة تشبه تلك التي صدمت أخي جوكي. لم أراها بعد لكن سمعت صوتها المرتفع وخرجت من الحظيرة لأراها متوقفة بين منزل السيد ساوشا والحظيرة، وقد كانت أقرب للحظيرة. كما تعلمون لم تكن المرة الأولى التي أرى فيها سيارة لكن المختلف هذه المرة أنها كانت قريبة جدًا ومخيفة. كنت أطل برأسي من خلف الحظيرة أراقب إن كانت تتحرك أو تصدر أي صوت. وبعد أن ذهب السيد ساوشا لمنزله وتأكدت أنها لا تتحرك، تقدمت بحذر باتجاهها وأنا أراقبها خشية أن تقوم بأي حركة أخذت أدور عليها حتى توقفت أمامها. كانت مخيفة وكبيرة أبدو بجوارها صغيرًا جدًا. أفسد علي تأملي للسيارة صوت باب منزل السيد ساوشا وحتى لا يراني هربت بسرعة خلف الحظيرة أراقب ما يجري، اتجه السيد ساوشا للسيارة وبعد أن أدار محركها المزعج أوقفها بالقرب من المخزن الصغير بجوار منزله وأطفأ المحرك ثم فتح الباب الكبير في مؤخرة السيارة وأخذ ينقل بعض الأكياس الكبيرة من المخزن ويضعها على ظهر السيارة. ولما أفرغ المخزن أغلق الباب الكبير في مؤخرة السيارة ودخل منزله.

عرفت أنه يريد أن ينقل الحمولة على ظهر السيارة لا على ظهري. شعور مزعج للغاية، تجد هذا العالم الذي تعتقد أنك محوره يهملك، يتصرف دون أن يعول عليك، دون أن ينتبه لك. لا سيد يكلفك بأي مهام مهمة تقوم بها، لا أخ يستمع لثرثرتك قبل النوم، لا أصدقاء يعلمونك العادات السيئة، لا أحلام ولا أي توقعات، لم يعد هناك مشاوير قريبة تسمح لك بمقابلة بعض الأصدقاء تمامًا لا شيء.

في وسط كل هذه الأفكار التي تسحقني وهذه الخيبة تذكرت عربة قديمة كان يستخدمها السيد ساوشا يتنقل بها وينقل بها بعض الحاجيات. وكان أبي هو المسؤول عن جرها عادةً. وبلا سبب وكما حدث معي تركها السيد ساوشا في زاوية من زوايا المخزن وغطاها بقطعة قماش خفيفة مع مجموعة من الأشياء القديمة المتعطلة التي ليس لها قيمة تذكر.

توجهت للمخزن بحماس وكل ما يدور في رأسي هو إصلاح هذه العربة. فتحت باب المخزن ومشيت حتى وصلت للعربة، سحبت قطعة القماش من فوق العربة وامتلأ المخزن غبارًا بعد ما كان ينام الغبار منذ فترة طويلة بهدوء على العربة. وجدتها كما لو أنها توقفت بالأمس، سوى كسر صغير في خشب الصندوق المخصص لوضع الحاجيات فيه. مازال خشبها محافظًا على جودته ومتانته ولونه الذهبي الجميل ورائحته الدافئة.

سحبت العربة إلى خلف الحظيرة حتى لا يمكن لأحد أن يراني. بدأت في تنظيفها وإصلاح كسرها، بقيت على هذه الحال مع العربة حتى أخذني النوم. استيقظت على صوت السيارة وهي تبتعد، وبسرعة جررت العربة خلفي ورحت أركض أتبع السيارة. أخرج السيد ساوشا رأسه من النافدة يصرخ بي ويضرب بيده على باب السيارة بعد ما قطعنا مسافة ليست بالقصيرة: ابقَ في الحقل يا لوي لا تتبعني.

ثم زادت سرعة السيارة، وبدأت تصغر شيئًا فشيئًا ولا زلت أركض خلفها حتى اختفت ولم أعد أستطيع رؤيتها. نظرت خلفي فلم أجد الحقل ولا الحظيرة ولا منزل السيد ساوشا، وأمامي طريق أسفلتي طويل لا أعرف آخره. توقفت عن الركض، أخذت أنظر فيما حولي. كان المنظر عظيمًا كيف لم أنتبه ! مساحة شاسعة لا نهاية لها أكبر مما تخيلت. لم تظهر كما حكوا لي الأصدقاء، كانت أكثر هيبةً وجمالًا، أكثر اتساعًا.

وجدت البرية أو هي وجدتني لا أعرف. لكن فكرة الهروب للبرية أو الضياع في البرية هذه الفكرة التي تشغلني دائمًا ستتوقف عن فعل ذلك.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *