حِكَايَة

اليوم الثاني للفراق (الجزء الأول)

إنهُ البُكورُ وأنا أدلف خارج هذا المنفى، الهواء نفس الهواء، إلا أن نسمات الفجر دائماً عليلة حتى في الأيام لا تعتبر شتاءاً. السيارات ما زالت تمشي بهدوء تام تجوبُ الطرقات التي لم ترتح البارحة، أصواتها خفيفة، ولا اختناقات مروريةَ تُذكرْ. الطيورُ تحلق وتطلق أصواتها في كل الاتجاهات، ألوانها لا تبين لأن ظهور الشمس مسرفٌ في البطء، ينشر الهُوَيْنا … كدمعي الهُوَيْنا الذي يبلل محاجري دون شعور مني لا ينحدرُ على وجنتي لأنه يعرف أن لا مكان خالٍ لهذه الدموع، يسقط عمودياً ليبلل رطوبة الشارع الممتد تحت قدمي، فيزيد لونه نضارة. كل شيء يسير كما هو، إلا أنا أسير عكس كل الأشياء. وكلهَا تخالفُ هوايَّ البسيط!

أمشي وأنا أحمل بيديّ الاثنتين كيساً لملابس تفوح منها رائحة الماضي، المرض، واليأس. رائحة من تخلى عنهم أحبائهم في أيامهم الأخيرة وباغتهم الموت دونَ أن يقدم لهم أحدٌ قربان حب. لم يكلف أيُهم نفسهُ أن يحضرَ حَقيبة عَلهَا تكونُ حقيبةَ وداعْ لمطار لم تزرهُ يوماً ولم تعرف طريقه قطْ. وحيدةً محشورةً في غرفةٍ صغيرةٍ في بيت كبير وغرفٍ فسيحة أخرى. إلا أن البيوت لا تُقاسُ بحجمِها بل برحابةِ القلوب التي تَسكُنهَا. وهي معهم في ذات البيت، لم تُجالسهَا ابنتهَا البكر إلا حينَ يأتي الزائرون القلّة. ولمْ يُرتب ضفائرها الخفيفةُ أحفادُهَا. ولم يلعب أطفالُ الأحفادِ عند دارهَا في آخر الروَاق. لم يسألوا عنها إلا لِماماً ولم تتمرس السؤال عَنهم لأنها نُسيّت الكلامَ والمَقامَ حينَ سقطت أول مرةٍ وانكسرَ حوضها الذي أنجبهم، وانكسرت معهُ قوَتها وذهَبَ بأسها الذي حافظت عليهما يزيدُ على الثمانينَ عاماً.

شيءٌ يُكسرُ فينَا حينَ يصبحُ صوتنا مَبحوحاً من نحيبٍ لا يصلُ إلى أحد. ومن أوجاعٍ لا يَكشفهَا أقربُ الناس. وإهمال من أعطيناهم نصفَ حياتنا وبَخلوا بربعِ وفَاء يجبرُ قليلاً من الحزنِ واللظى! انكسرَ كلُ شيء فيها منذْ أول فراق، وأول بيع لما تملكُ إرثاً، وآخر الزيارات التي تذكرها حينَ كانت ذاكرتها شابة فتيّة. انكسر قلبُها الذي وزعَ أفئدةً لثلاث إناث ونسوا أنها أمهم، ونسيَت هي ما فعلتبهم وبقيّ لديها فقط أنها أنجبتهن. لا تذكر قطعاً أنها زَوجتهن لأنها تتذكر أنهن كن يلعبن في فناء البيت الكبير. ولا تذكرُ كيفَ كبرن وتذُكر ما أطعمتهنَ في سنواتِ القيظ.إن الذاكرةَ التي لا ينعشُهَا من نحب، تموتُ لأن لا معنى للذكرياتِ حينَ لا نجدُ من يشاركنا إياهَا. وتصبحُ من سقطِ المتاعِ إذا ظلتْ عالقةً في ألسنتنا نرددهَا مئاتِ المراتِ على أناسٍ لا يكترثونَ لهَا!

وسقطت مرة أخرى، ولم يعوّا ما بِها إلا بعدَ أن افتقدوا صوتَ هلوستها فجأة، رفعوها إلى سريرها غير آبهين بأنينِ لم يعتادوه مِنهَا. وحينَ طغى على هدوئهم، تسائلوا: أأصابها مكروه؟! ولأنهم فقدوا الإحساس بها لم يسارعوا بها إلى مَشفىً قريب أو بعيد، بل أجروا اتصالات كانوا يتساءلون فيها: ربما كسرَ شيءٌ فيها؟!

نَقلوهَا بكدماتٍ استحالت زرقاءَ وكسورٍ كَشفهَا رجال الإسعاف في ذُهول. ووسط دَهشةِ الأطباء من الحالة التي وصلتْ عليها عجوزٌ بعمرهَا ارتختِ العيونُ في خجل، دونَ أن يمسَ القلبَ شيءٌ منه.أن عُرفَ قساةِ القلبِ قد لا يظهُر على وجوههم الوَديعة. وتوالت الأسئلةُ على الأحفاد:

-لمَاذا لم يأت بها أحدٌ من قبل؟

-……

-هل تَسكنُ معكم في البيت؟

-نعم

-كم ظلتْ على هذا الحال؟ الكدماتُ تظهُر أنهَا لأيام لا تقلُ عن الثلاث!

-……

-هل يتفقدها أحدٌ باستمرار؟

-……

بعضُ الأسئلة قَتل. وبعضُ الأجوبةِ أنصال تُفضي للموت. بقّت هذه الأسئلة بلا أجوبةٍ في ملفِهَا الطبي المعلقِ على السرير الذي احتواها لأيامٍ حتى ملّوا الزيارة. فقادوها إلى المنفى بعد أن تقطعت بهم سبُلُ الاحتفاظ بها وتناقلوها فيما بينهم جَاهدين في اختلاقِ أعذارٍ لعدمِ القدرةِ على الاهتمام بها والأقربُ أنَ ماضيهم مَعها مازالَ يؤلمُ قلوبهَم حتى بعد أن شاخوا. إلا أنَ الزمنَ الذي يُطهرُ القلوبَ ماطهَر قلبَ بناتهَا ومَا أمالَ قلوبَ أحفادِهَا الذينَ أحبتهُم صغاراً مُحاولةً تعويضَ زَلاتهَا في حق أمهَاتهم. إن الحبَ عندمَا يأتي متأخراً ممن نتوقعُ حُبهَم أولاً يأتي ثقيلاً مُتعثراً لا تَنفعُ معهُ إقالة العثراتِ !

إنهُ المنفى، الكلُ هنا مُسجى، وأنا أمسكُ بيدِهَا وأقول لها كلاماً ناعماً كَشعرهَا المُتبقي، وأسمعُ بكاءَ قلبها الذي أحَس بكل شيء رغم أنها لا تقول شيئاً، صامتةٌ تدفعُ الخيباتَ في أنفاسهَا الهادئة،حينَ تَفرُ مني دمعةٌ ويَغْلبني غُلبي أني لا أملكَ ما يُخففُ عَنهَا سوا تواجدي معَهَا، تشدُّ بأصابعها النحيلة على يدي وتطلقُ زفرةً أخرى. أصمتُ وتتحركُ يدي فتشدُ أكثر وهي واهنة كأنها تقول:

-إنهُ الحنانُ الأخير والقلبُ الأول.

فيردُ قلبي:

-أنتِ أمٌ ما قُدرتِ حقَ قدرك، ولكنكِ تَسمَعينَ خفقَ قلبي الذي أحبَكِ دوماً وأحببتيهِ دونَ شروطْ.

حواراتنا القلبيةُ قد تَكونُ أقوى من حواراتنا المَسموعةِ. فالأولى تتدفقُ فيهَا الكلماتُ والثانيةُ يختبئ خلفَ حروفِها نصفُ الكلام. ولأن الاعتيادَ على الشيء يقللُ من قدرِهِ ،بدأت الزياراتُ لها تخفُ يوماً بعدَ يومٍ بحجج متنوعة لم تَكترثُ لهَا لأنهَا فقدت الصلةَ بالعالمِ حولَها. فكلُ ما يأتي دونَ قَلبْ يرحلُ دونَ أثر. ظللتُ أنا أرقبها كلَّ يومٍ بزفراتٍ أوهنْ وجهازٍ جديد يضاف إليها. لم ينتبه أحد إلى نومها الطويل جداً. ولم يعتنِ أحد بسؤال طبيبها لماذا كلُ هذا النوم، وأين اختفى صوتها؟ وما سبب الدم المتجمعِ على أوردتها بانتظام. ولمَ هذه الأجهزة المتزايدة. وحينَ سألتهم قالوا:

-تعبّة!

***

>> يتبع

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *