نَصْلٌ مُصَوّب

ذمة ديزني!

يُحكى أن رجلاً بدويَاً يدعى محمد، كان شهماً وفارساً وصاحب عزّ وجاه. إلى أن جاء يومٌ فقد كل ما يملك فلم يستطع أن يبقى في قبيلته على هذا الحال، فانتقل إلى قبيلة أخرى مدعيّاً أنه معتوه حتى يكون في حماية هذه القبيلة ويعمل في خدمة شيخ القبيلة. وتم له ذلك ولأنه كان يجيء بالجلة* سمّوه الجَلال. وفي يوم من الأيام غارت قبيلة عليهم فلم تجد بنت شيخ القبيلة بُداً من إعطاء جّلال فرس والدهَا للحاق بـ(الحلال) فما كان منه إلا أن ركب الفرس بالاتجاه المعاكس فضحك عليه من ضحك ناعتين إياه بالمعتوه! وما أن توارى عن الأنظار حتى اعتدل في جلسته وانطلق يلحق بالمعتدين فكان كلما قتلَ احدهم طبّع من دم المقتول بيده على فرس الشيخ ولمّا انتهى منهم عاد بالحلال إلى القبيلة بعد أن عكس جلسته على الفرس حتى لا يعلم أحد ذلك. وفي صباح اليوم التالي جاء شيخ القبيلة يريدُ أن يشكر من أعاد (الحلال) فقام كل فارس ينسب الأمر لنفسه. وبحنكةِ شيخ القبيلة قال آتوني بالفرس فقال لكل فارس أن يضع يده على الآثار المتروكة حتى تتطابق. وبالطبع لم تتطابق الآثار مع أي من المدّعين، حتى جاءت ابنةُ شيخ القبيلة وقالت لأبيها أني أعطيت فرسك لجلال، فضحك الكل إلا أن الشيخ استدعى جلالاً حتى يضع يده على البصمات وتطابقت البصمات بطبيعة الحال وقبل أن ينطق أحد بكلمة قال قصيدة مطلعها: “سموني الجَلّال وأنا محمد//شبري على شبر الرجال يزود”.فقال له الشيخ: أطلب ما تريد. فطلب أن يتزوج ابنته فكان له ما طلب.

هذه القصة ليست خيالاً إنها من القصص البدوية العريقة، وبغض النظر عن مدى صحة ودقة كافة الأحداث فيها إلا أنها تحمل الكثير من المعاني الجميلة والحكمة والصبر. قد يخطرُ في بالكم أنه ربما كانت لدّى جلال خياراتٌ أفضل من اختيارهِ دورَ المعتوه، إلا أنني وأنا أستمعُ باندماج إلى هذه القصة جاء في بالي شيء آخر تماماً. حنكةُ الشيخ وفطنةُ جّلال. والأكثرُ، الدراما في القصة والتي تبدو وكأنها فلم سينمائي يشُدك من أوله إلى آخره ولا يغفلُ عن الحكمة والتشويق. فابتسمتُ لأن أقصى ما نحكيهِ لبناتنا هو قصة (الأميرة النائمة)، ويطالبُ أطفالنا الصغار من الأولاد بقصص عن (السيارات الحمراء) قبل النوم. وأنا شخصياً من محبي أفلام ديزني الكرتونية التي تحتوي على ذات المحتوى الفني والدرامي بالإضافة إلى الفلسفات العميقة التي تناسبُ كل الأعمار. فالفلسفةُ علمُ البديهياتِ وتلكَ ليست مناطة بعمر معيّن.

ندّعي دوماً أن لنا تاريخاً مشرفاً ويجبُ أن يعرضُ ويستعاضُ بهِ عن ما لدى الآخرين، إلا أن المتنقل بين قنواتنا العربية لا يجد إلا المسلسلات التي إما أن تعرض التاريخ بصورة مبالغٍ فيهَا وإما أن تستبدل التاريخ بـ”واقع” يجعلك تغلق الشاشة فاراً مُستغفراً لهول ما رأيت! وفي كلتا الحالتين لا يمكن للمحتوى أن يصل إلى الكبار والصغار في آن واحد! فإما أن تتابعَ بعيداً عن أعين الصغار مُتجاهلاً أسألتهم: (شمعنّى أنت تشوف واحنا لا؟!) أو أن تتابع معهم شيئاً مخففاً جداً قد يكون تافهاً ولكنكَ لا تخجلُ من أن تراهُ معهم. إننا نعاني أزمة “المسلسلات الهابطة” والتي يلحظُهَا أغلب الناس ويتذمرون منها حتى يأتي المنتجون ليؤكدوا أن نسب المشاهدة “ارتفعت عن العام الماضي”!

إن الانتاج السينمائي والتلفزيوني الأجنبي يغزو شاشاتنا بقيّمه التي تتعارض كثيراً مع قيّمنا حتى مع وجودِ “مقص الرقيب”. يقول والت ديزني: ” في عالم الترفيه، تلعب الأفلام دوراً هائلاً في تشكيل المُثل والأهداف التي توصل الشباب لمرحلة النضج”. وإذا كان عالم ديزني قد أدّى دوره وما زال يؤديه في نشر الرسالة التي تبناها وهي نشر السعادة في العالم. فإن أغلب إنتاجنا الفني ليس لهُ رسالة واضحة وليس له طموح وهمّ اجتماعي. وإن كان له ذلك فإنه يقوم به بطريقةٍ عكسية تنشر الرسائل السلبية والفاضحة ويعلّلها بأنها “واقع”.

إن من يقول أن مهمة الإعلام رسم الواقع والتوجيه عليهِ أن يثبت ذلك في إعلامنا العربي. وأتساءل عن خانة الإعلام الذي لا يوسعُ مُدركاً ولا يفتحُ أفقاً ولا يدفعُ للأمام؟

إن الإعلام الجيّد والإنتاج الشبابي الإبداعي الذي نجده على الإنترنت والذي يحظى بنسب مشاهدات عالية، ويحاكي أفكار وطموحات الشباب لا يجدُ غالباً من يدعمهُ مالياً وإعلامياً حتى يظهر على الشاشات الصغيرة. ولو ظهرَ لكان خيراً لكلاً من المنتج والمُتلقي على حدٍ سواء. ويكفي أن أغلبهُ إنتاج يمكنُ للعائلة أن تجتمعَ وتتابعه سوية.

إننا بفعل الكميات الرديئة التي تطغى على الحسنّة أصبحنَا بدون وعي مجتمعات سلبية ومتناقضة نخاف كل شاردة وواردة ونفسرُ ما يدور بطريقة عشوائية مستندين إلى إعلام رخيص يظهر السيئ ويخفي الجيد ويضربُ على أوتارِ المظهرِ والشكل والغواية مشدداً على أهمية “البوتكس” وضرورة “النكد” ليكونَ لك أكبر كم من المشاهدين!

إننا نفتقد تأصيل الماضي بطرق صحيحة وفاعلّة، ونعجزُ عن رسم حاضر مليء بالإبداع ونفتقرُ إلى رؤى مستقبلية نبني عليهَا واقعنا الآن. إن لم نصل الماضي الجميل بواقع نطمحُ إليه بطريقة سلسلة وفاتنة نستطيعُ أن نرويها مستقبلاً لأبنائنا لن يكون لدينا ما نرويه لهم وبدلاً من أن يكونَ أبنائنا في ذمتنا، سيكونون دوماً في (ذمة ديزني).

______________________

*وهي روث الحيوانات المتكلس لإشعال النار في الحطب.

 

رأي واحد حول “ذمة ديزني!”

  1. محمد جمال يقول:

    شكراً شيماء وأنه لمقال أكثر من رائع وذمة أطفالنا والمجتمع رسالتنا .. مازلنا في في البداية سيأتي يوم على العرب ينضرون إلى الحكايات المنتجة والمسلسلات العادية إنها شيء ليس له قيمة وسيكون القيمة في تلك الإنتاجات التي تعكس قيمنا واخلاقنا ورسالتنا الجميلة كمسليمن وعرب ويعتز بها ونغزي بها … والله ليس كلام وأحلام إنما بالفعل أننا نعيش بتلك الإنتاجات في أذهاننا وفي كل لحظاتنا وسيعين الله شباب من هم مثلك وكل من يهتم لصياغة صورة اخرى للنقش والنقص الموجود ..

    شكراً وأستمري ولنا لقاء في المستقبل المشرق ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *