اتِكَاءَةُ هَوَى

غبّ وعُدْ أكثرَ حناناً

حينَ قال لها: الأماكن..الأماكن يا حبيبتي بصوت أبو نورة..كلماتك وحدهَا يا حبيبتي كانت تسرقني من الأماكن!

كتبت:

“الرقةُ التي تجتاحُ قلبي حينَ تقول “حبيبتي” تشبهُ الرقة التي تَجتاحك كلما قلت لك ” أحتاجك”.  تقولُ يا حبيبي الأماكن، الأغنية التي لا أذكر أن أحداً لم يرددها. إنها تشي بالبعدِ يا مُنتهى القربِ وأبعده. كحبنا تماماً متعدٍ للزمانِ والمكانْ. معاً ولسنا معاً، كحبلِ وريدٍ واحدٍ يعبرُ الربعَ الخالي، يحيلها بيننا ليلةَ زفاف!

أذكرُ جيداً، كنتَ جالساً في مقهى، ضجيجُ داخلكَ أقوى من الضجيج حولك، تحاولُ ضبطَ ايقاعِ كلماتكَ مع نسيجِ كلماتي. يقترفُ الوقتُ النسيان معك، وترى عيناكَ ما وراءِ الكلام! تأسركَ الحروفُ وتأسرني أحاديثك! اتساعَ عينيك الذي كلما اندمجت زاد، وكلما سَهيتَ خِلتكَ سَلوى، طائراً مُحلقاً لا يكونُ إلا من السماءِ وإليها.

إنها الأماكنُ يا حبيبي تعلمنا كيفَ نحترمُ الحنين. إنها مَربطُ الذكريات التي لا تغرب، وصهيلُ الشوقِ في الأعماق. كان صوتكَ جميلاً وأنت تردد:

“كل شيء حولي يذكرني بشيّ”

كان صوتي أنعم حينَ أقول:

” حتى صوتي وضحكتي لك فيها شي”

ونغني سوياً:

“لو تغيب الدنيا عُمرك ما تغيب”

ولا نكملُ لأن الإنسانَ لا ينسى شطرهْ، فكيف لو كان هذا الشطرُ نفسَه؟! أنتَ نفسي جَمعُها وجميعها. أنت الصوتُ الراسخُ في الوجدانِ، وبك الجَوى استوى رحيقاً لذيذاً.

أيها المعجونُ بالآهاتِ والكائنُ المملوءُ بالكمال في عيني..أستطيعُ حين تغيبُ أن أتخيلُ صبرَ الأماكن على تحملِ شوقك، وأتخيلُ الحنينَ الذي ترهقها به كلما قررت الإنزواء في ركنُ الغياب. نمارسُ الغياب أحياناً لأن الشوق الذي نحملهُ أكبر من تحملنا، ومرهقٌ للأضلعِ المَخلوقةِ منا. تغيبُ الدنيا في عينيّ غياباً لا اشراقَ فيه في تلويحُ وجهكِ في الأفق، وتهادي صوتكَ على أمواجِ العَودة. عَوْدُ الأحبةِ مراسي الأشواق الأولى. فيكَ أختبرُ كل حواسي، أنا أحسستُ بكَ قبلَ أن أحبك، ومذ أحببتكَ ناديتُ جهراً: ويحَ قَلبي هَوى. فصرتَ أنتَ المَشَاعِر التي يحجُ إليها قلبي والبياضَ الذي يضرمُ في قلبي وعوداً مَسقطها القلبُ وحده.

غيابكَ حضورٌ في داخلي، فأنت لا تغيبُ عنّي. أنت الذاكرةُ المشتعلةُ وأنا قلمكَ الذي تكتبُ فيهِ مُذكراتك. صفحاتكَ البيضاءُ الغيرُ مسطرة، يدكُ التي تحملُ قلماً بالنسبةِ لي قلبٌ تتنزلُ رحماتهُ على روحٍ كَسيرة، تَجبُرُ النفسَ وتَجبِرهَا على ارتشافِ الحنين مع كلِ نَفَسْ وتختزلهُ حتى يصيرَ مُزناً محملاً بزينِ الوله.

غبّ وعُدْ أكثرَ حناناً، وأعدكَ سأكونُ أكثر حنيناً. وغنّ لي:

“الأماكن كلها مشتاقة لك!”

‏3 رأي حول “غبّ وعُدْ أكثرَ حناناً”

  1. دلال* يقول:

    آه، لامست حروفك أوتار قلبي..
    غب،،
    وسيستوي بي الشوق،وتأكلني ناره
    وأهرب منك إليك!…
    غب باختيارك..
    وذكرياتنا جميلة ولامعة ، ولا تبقَ وأنت مرغم..

  2. أحمد يقول:

    يا لروعة ما كتبت..

    غِب.. حتى لو حال الزمان دون عودتك..
    فستبقى في ركنك المكين..
    هناك.. حيث تفيء إلى نبضات.. كلها تشتاقك..

  3. سفر يقول:

    الأماكن ..!

    تماماً كأنا حين يراودني الحنين الى العودة الى صومعة احاسيسك المكتوبة
    فالمقروءة .. فالمعلقة على جدران الموانئ ومحطات القطار وفي شاشات المطار
    هناك حيث يقترف الغياب .. بقيت وحدي أمنّي نفسي بجذوة حرف اقتبس من
    أنفاسه حكايات تشتمها الذاكرة .. لأجدني في أدق تفاصيل الجريمة التي ارتكبتها
    يوما انثى ..! استطاعت أن تكشف للعوالم أنها ( بس الاماكن ) أما ( وأنا ) كانت كذبة شاعر لم يطرق الشوق باب قلبه ولم يجد من يشتاق اليه سوى الغاوون الهائمون الثملون على اعتاب الوهم وضفاف السراب

    سأعود ياراهبة الحرف .. وعذري الأماكن التي لم يقتلها الشوق الجائر حتى الان .. !! ومازالت تشتاق !

    ودّ .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *