نَصْلٌ مُصَوّب

المُلهِمون

يمشي بين الحقول الخضراء، مُلهماً ومُستلهماً كأنهُ يستنطقُ الأشياء حوله. يجالس الكبير والصغير، ويسامر النجومَ والفلك. يأخذُ من كلِ علمٍ مُستقرهُ ومن كلِ إنسانٍ عِلمه. بسيطاً مُتبسطاً ينسابُ انسياب الماء، وصلباً كلما قال رأيهُ قال القومُ: “تم”.

لكلِ إنسان أسطورةٌ يجعلها نصبَ عينيهِ وهو يخطُ طريقهُ في الحياة. ولا أجملَ من أن تكونَ تلكَ الأسطورةُ مجموعةً من الأفرادِ المُلهمين. تجمعهم كلهم في واحد وتشكل أسطورتك الفريدة التي لا يشاركك فيها أحد. الأساطيرُ الفرديةُ مُلهمةٌ وشديدةُ الدَفعِ لأنها تمتلكُ من روحِ بانيها وتقتبسُ من نوره. فيكونَ لها الظل وتكونُ له النور حتى يتغلبَ عليها فيكون هو الأسطورة مَكانها.

إن المُلهمينَ حولنا كُثر ولا تكمنُ المشكلة هنَا مُطلقاً. تكمنُ المشكلة حينَ لا ينتبهُ الأفرادُ لهم. أو حينَ لا يدركون هم ذاتهم أنهم كذلك. فالمشكلةُ الأولى تتلخصُ في قصورِ وعي المجتمعِ عن مستويات الإلهام ومكامنِ مبدعيها وتلك تقودُ إلى إشكالية تسليط الضوء على نموذج واحد أو عدةِ نماذج قد لا تشكلُ طموحاتِ المجتمع الحقيقة فتصبحُ هذه النماذجُ مع الوقتِ (أصناماً) غير قابلةٍ للهدمِ إلا بإعصار يعصفُ بعقول الأفراد أجمعين. لا أقسى من مجتمع يكون هدفُ أبناءهِ كلهم أن يكونوا نموذجاً واحداً من (فلان)!

أما المُلهمون الذين لا يدركون ذلك عن أنفسهم، فتلك بذرة من البذور التي زرعها المُجتمعُ وهي بذرة عدم الثقة في النفس. ولكن هؤلاء لتميزهم تستطيعُ انتشالهم بسهولة من هذا الدرك فيخرجون للمجتمع في أبهى حللهِم متَنورين ومُنورين بما لديهم من ملكات. إن المُلهم الواعي يستطيع أن يحفز الجموع حوله لتحسين حياتهم وطرقها، ويجعلهم يتفادون الكثير من الصعاب بكلامهِ السلس ويديهِ الحانيتين. ولأن الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي. فإن هؤلاء يصلون بالعلاقاتِ الإنسانية إلى أسمى حالاتهَا دون عناء فيرتاحُ معهم القريب والبعيد.

لكلٍ منا ما يُلهمه. هناك من تهزّهم الكلمةُ الطيبة فترقى بهم إلى حدود السماء. وهناك من تأخذهم الموسيقى إلى عالم بعيدٍ فيطبقونه على العالم القريب. وهناك من يُلهُمهم الصمتُ والتأمل فيكونون في حالةِ سلامٍ تامة مع أنفسهم فتنعكسُ على من حولهم. فكر معي: ما هو مصدرُ إلهامك المنعكس على الآخرين؟

يقولُ الشاعر عمر الفرا: “ما أجمل أن يرحل الإنسان تاركاً ورائه بصمة على الطريق ليقال من بعده من هنا مر فلان”. هناكَ أناس يصنعون سيرتهم بأنفسهم ليقودوا الجموع إلى خير أو لشر، لن أقول يكفيهم شرفُ المحاولة فما فيه شرٌ للإنسانية ليس خيراً، الجزء المُهم هو الأخذُ من سيرتهم فيما حفزّهم ليكونوا كذلك. من يصنعُ سيرته بتعبهِ وجهدهِ لابد أن ينال خيراً في الدُنيا أو الآخرة. وهناك من يعملون بصمتٍ ولا تكادُ تسمعُ لهم صوتاً إلا أنهم لشدةِ إخلاصهم في عملهم وتفانيهم في حياتهم يخلدهم التاريخ. كثيرٌ من المبدعين كذلك لم تكن حياتهم صاخبة بقدر حياتهم ما بعد موتهم. اعمل بجدٍ وإحسان حتى يَبينَ أثرُ نضالكَ ولا تكترث بالشهرةِ فإنها ألدُ الأعداء.

ابدأ من الآن وابحث عما يميزك، واقتبس من الآخرين ما يناسبك. المُهم أن تؤمن بأنك تستطيعُ الإضافة على الحياة. إيماننا بالأشياء يجعلها قريبة المنال، قابلة في العقول للتحقيق ويصدقها العملُ كلما كان هذا الإيمانُ أقوى. تصالح مع أمنياتك، حتى يصالحك الكون في تحقيقها. و كن خبيراً بها، وطرق الوصول إليها، واربطها بمنطقية الواقع وجميل الطموح. وتذكر أن الرغبة وحدها لا تكفي، حتى تصل لما تريد، إنما السعي الحقيقي المتوازن هو الذي يجعل من الأماني حقائق.

أصغِ للكون بانتباه، فإنه يدلك على الطريق الذي عليكَ أن تسلكهُ متناسباً مع إمكاناتك. من يعرفُ ذاتهُ يختصرُ مسافاتِ الشتات. ولا تحزن إن أظلّك الطريق يوماً، نبتةُ الإيمانِ في داخلك سترجعكَ إلى الطريق الصحيح. واصنع لنفسكَ نموذجاً توّد الوصول إليه من كل من يمرون بك، فعند كل واحدٍ منهمُ طوقُ نجاة يجنبك الكثير من الشقاء ويمنحكَ القوة بتمسككَ فيه. إن الذين يسيرون على خطى من قبلهم دون مناقشةِ جودةِ الطريق لا يصلون إلى أبعد مما وصلَ إليه سابقوهم. لذلك طريقكَ الخاص وحدهُ الوسيلةُ لطريقٍ جديد قد يكون أجوّد من طرق الآخرين.

اتبعْ قلبك، وحكّم عقلك، فالكونُ كلاهما. والإلهام الصادق ينبعُ من القلب ويباركهُ العقل.

رأيان حول “المُلهِمون”

  1. بو سيف يقول:

    إن كنت سأبدأ فإني سأبتدئ من العنوان (المُلهِمون) . ولماذا فصل عن النص ؟ الكاتبة تنضج بعقلها وقلبها، لذا جعلت لنا العنوان (للعقل) في بَوتقة لنحكمه ونُحاكمه، ومسار النص عاطفي دون الاستناد على معايير الأسطورة ولا مصادر الإلهام كل هذا متروكا للقلب والعاطفة ، وكأنها تقول حتى ألإرث الأدبي الجاهلي الذي صفقنا له كثيرا جعل من ( عبلة) أسطورة من خلال قصائد( عنترة) العاطفية . ثم ليست الأساطير هي مصادر الإلهام فقط بهذا الشكل الحالم . هناك مبدعون مصدر الإلهام عندهم مستوى معيشتهم و الفقر. والفقر ليس أسطورة بل آفة . وهناك مبدعون تركوا لنا أجمل القصائد والعبارات والمصدر الحبيبة والحبيبة ليست أسطورة هي كباقي النساء لكنها نبضات قلب . كذلك تهوى الكاتبة ملاعبة النص والاستدراج فهي تنقلنا من عبارات رومانسية بين الحقول ومدارك العقول بصورة فجائيّة. إلى صورة علاجيّة لاحتمالات شتّى، باستنكار، واستغراب وتبسّم! فتنتفض الألسن بـ(ما شاء الله). لذا حسب رائي العنوان لم يكن موفقا .المفروض أن يكون مبنيّ على أصل العلاقة الكاملة مع النص . قد تكون اجتهادات خاطئة منّي، منكم.. وقد لا تكون ! .

    لكن المتفق عليه أرعدتْ الأفكار ولا زال المَطَر.

  2. رحاب شريف يقول:

    مقال رائع … بارك الله لك تلك الكلمات الرقيقة ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *