نَصْلٌ مُصَوّب

أسْلموا يَا أهلَ أكسفورد!

الجمال منبعُ كل شيءٍ مُلفت. لكل عينٍ موقعُ جمال فإن وجدتهُ أعطتهُ قيمتهُ كما تراه. والجمالُ إذا استشرى في النفس زادهَا رفعةً وسمواً. كل الثقافات في العالم تحرصُ على توطينِ الجمال وتُعلِمُ أفرادها تذوقَهِ منذ الصغر فالجمال يؤسس لحضاراتٍ راقية ومتزنة.

والدينُ الإسلامي حَرصَ على تنمية وترسيخ هذا البُعد المُلهم في بناء شخصية إنسان الحضارة الإسلامية. فالمتأملُ قد يستغربُ اهتمام الإسلام بهذا الأمر وهو الناشئ في بيئةٍ بدوية صحراوية يهمها قبل أن تتلمس مواطن الجمال في الأشياء؛ أن تتقي الحر وتبحث عن لقمة العيش الطيبةِ في الأجواء الشحيحة، فيأتي القرآن الكريمُ بتصوير بيئةٍ بعيدة عن التصور العقلي للبدوي الذي يعيش في الصحراء ليخبرهُ عن وصف الجنة بوصف دقيق وشامل وبتراكيبَ هندسية مِعمارية لا يَعرفها إلا نُدرةٌ منهم. وهذا يُنمي حس التوْقِ والتمتع بتخيل الجمال ويوجهُ العقول إلى التدبر في كيفية عكسِ ذلك على أرض الواقع. فكأنه بشكل غير مباشر يعطي صورةً لشكل المجتمعِ المسلم الخارجي.

ثم يُربي الإنسان ذاتهُ في عقلهِ ومظهرهِ ليكونَ أنموذجا يُحتذى به كقوله: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ}* والخطابُ هنا ليس موجهاً للمسلمين فقط بل هو خطاب للبشرية كافة يطبقهُ المسلمون وغيرهم في دورِ العبادة. فتخيلوا المُترتبَ على هذا الأمر الإلهي: فقد يكون أحدهم يرعى أغنامه وحين يأتي موعد الصلاةِ عليه أن يأخذ زينته حتى يصلي مع جماعة المسلمين في المسجد! إذا كان ذلك قبل أربعةَ عشر قرناً، كيفَ يذهبُ أحدنا بلباسِ المنزل أو برائحةِ الطعام إلى بيتِ الله ولم يأخذ زينتهُ كما يجب؟!

“إن الدين الذي يعتني بتوجيه الأنظار للفن وتفاصيله الدقيقة ويجعلُ مجتمعاً مختلفاً من الأعراق يشكلون فناً مستقلاً مبهراً؛ لهو دينٌ عظيم يجبُ أن يُتبّع”. هذه العبارة قالتها لي صديقتي اليهودية وهي “بروفيسور” متخصصة في الفن الإسلامي. هذه الصديقة ربما تكونُ مقتنعة بالإسلام أكثر من أي مسلم وتتلمسُ فيه مواطن الجمال إلى درجة أنها كانت تتعلمُ العربية، وكنتُ أقرأ معها القرآن والشعر العربي وهي تستعذبُ كل حرفٍ وكل معنى! أكيدةٌ  أن السؤال الذي يطرقُ رؤوسكم الآن: هل أسلمت؟ وهل دَعوتها إلى الإسلام؟ وسأجيبُ على هذا السؤال: بلا. لم أفعل ولن أفعل! لأني أدرك ببساطة أنها أسلمت قلبها وعقلها لحضارة وهي الوحيدة التي تعرفُ متى عليها الاستسلام التام.

ما يقودني لهذا الحديث هو الجماعات التي تدعو إلى الإسلام في كل مكان. في مدينة الضباب نزلت للتسوق في شارع أكسفورد، الشارعُ التجاري المزدحم بكل خطوط الموضة ويتوسطهُ المتجر المُذهل الشهير (سيلفردجز)، وقف في أوله مجموعةٌ من المُلتحين متقابلين تاركين الممر يكتظُ بالناس بينهم مرتدين “جلابيب منزلية” تصلُ إلى منتصف الساق وتحتها “سراويل” بيضاء و”أحذية” رياضية أو “صنادل” وهم يدعون المارين إلى الإسلام بتوزيع منشورات بصوت مرتفع أو إيقاف بعض المارة ليتحدثوا إليهم مباشرة عن الإسلام. لفتني وأنا عالقة في هذا الازدحام أن أحدهم أوقف فتاتين عربيتين لا ترتديان “الزي الشرعي” وأخذ يوبخهما بشدة على طريقة لباسهما! فتساءلت في نفسي:ماذا لو انتبه أحد غير المسلمين ورائي إلى هذا التعنيف العلني؟! هل عساهُ يفكر في الدخول إلى الإسلام؟ وهل سيتلفتُ هؤلاء القادمون إلى اقتناء أحدث خطوط الموضة إلى أناس بثياب رثة وهيئة غريبة إلى من يريدُ أن يغيرَ مِلتهم؟!

إن الدعوة إلى الإسلام لغةُ حوار وعقل لا تغفلُ الجوهر ولا المظهر. واختيار الزمان والمكان والهيئة والمظهر من الأمور المهمة التي يجب أن يراعيها المسلمُ حينَ يدعو غير المسلم إلى الإسلام إن كانت هناك ضرورة لهذه الدعوة. إن الحديث إلى غير مسلم يجب أن يمر عبر ثقافته هو لا ثقافتنا نحن. كالإناء المملوء بالحصى تماماً حين تسكبُ عليه الماء يتخللُ الصخور تدريجياً ثم يمتلئ كله. وهكذا علينا أن نفعل. لا يمكنك أن تنتزع شخصاً يعيش في محيط يختلفُ كلياً عن محيطك وثقافة تختلف عن ثقافتك وأنتَ ثابتٌ في مكانك، فإما أن تَرتفعُ إلى مستواهُ أو تنزلَ إليه أيهما أفضل!

إن المنظومة الفكرية الغربية تطورت عبر العصور فتخلصت من سلطةِ الكنيسة وهيمنتها على فكر إنسانها وطريقةِ حياته. وهذا التاريخُ يعرفهُ الصغيرُ قبل الكبير. لذلك على الداعي أن يستحضر تاريخ من يدعوهُ إلى دينهِ حتى يسهلَ عليهِ إقناعه. فتغيير قناعاتِ الآخرين لا يمرُ إلا بعبورها، وذلك لمعرفةِ مواطن الضعفِ فيها ومن ثم استثمارها للتنبيهِ إلى القناعات التي نحملها نحن.

إن التاريخ يحملُ في طياته العبر. وإذا لم يستوعب العقلُ المسلمُ هذا التغيير سيظلُ يكلمُ الناس من وراء حجاب. ولن يستوعبَ الآخرون هذا البُعد الحضاري الشاسع ولن يعطى المُسلمون فُرصة ذهبية لإثبات نظرياتهم إذا لم يتجاوزوا عقدةِ السلف ويفقهوا حقّاً أن هناك ما يُسمى فقه الزمان والمكان.

ليسَ المطلوبُ أن يسلمَ أهل الأرض أجمعْ، فكما أن قريشاً لم تؤمن بنبي الله وهو بينهم يدعوهم إلى الهداية. وإن أرادَ الداعون إلى الإسلام أن يسلمَ أهل أكسفورد فعليهم أن يؤمنوا أولاً: طريقَ الدعوة إلى الإسلام طريقٌ غير ممهد بل طريق يجبُ أن يمهد بالعلم والدراية وحسن الخُلقِ والتأدب وجمال الظاهر والباطن.

_______________________

* سورة الأعراف، آية رقم 31

رأيان حول “أسْلموا يَا أهلَ أكسفورد!”

  1. نسيم يقول:

    ماذا لو انتبه أحد غير المسلمين ورائي إلى هذا التعنيف العلني؟! هل عساهُ يفكر في الدخول إلى الإسلام؟ وهل سيتلفتُ هؤلاء القادمون إلى اقتناء أحدث خطوط الموضة إلى أناس بثياب رثة وهيئة غريبة إلى من يريدُ أن يغيرَ مِلتهم؟

    هاد الكلام الصافى تحياتى الك ولمقالك الرائع ..
    nasimn-2@hotmail.com

    1. شيخة المفتاح يقول:

      ابنتي شمياء طرحك أكثر من رائع … وتشخص للواقع عميق و بفكر خلاق .. وطرح واعي .. وفعلا كما ذكرت هناك الكثير من القيم التي يدعو إليها الإسلام بل ويشدد على الالتزام بها وهي من قيم ديننا القيمة ولكن الكثير من المسلمين يغفلون عن ذلك .. بوركت ونفع الله بك ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *