حِكَايَة

اليوم الثاني للفراق (الجزء الثاني)

وهي لم تكنْ كذلك، إنها لم تكن تريدُ أن تسلم روحها هكذا، إنها أجبرت بفعلِ الإهمال فلا أهلٌ يسائلون عمّا يفعلُ الأطباءُ بهَا ولا خلان يوصونَ الممرضينَ بقليلٍ من الرأفةِ في التعاملِ معهَا.ومن يعبأ بنكرةٍ لا يعنيهِ؟ وقد حضّرَ الكلُ الجوابَ واضعاً مسؤوليتهُ أمامَ الله والناس ونفسهِ جانباً:

-خطأٌ طبي..!

وأنتَ يا قرةَ عَيني غَابَ صوتكَ الرحيم عني فلم يطمئن قلبي عليكَ وعَليها. الأرقُ يقتلني، والأفكار تراودني عن نفسي. أفكرُ كم كنتُ أتمنى أن تلقاها لتعرف كم أحبتني رغمَ أنها كانت تراني قليلاً. تمنتُ لو احتويتها في بيتٍ لي ولكْ لتستمعَ لحكاياتها التي لا تنتهي عن أشخاص لا أعرفهم. عن مغامراتٍ وذكريات لم يعرفها أحد. أريدُ أن أقولَ لكَ ما يجولُ بخاطري وأبكي بينَ يديكَ فترفعُني إليكَ قائلا:

-لا تقلقي. كلُ شيءٍ سيكونُ على ما يرامْ.

– ولكنَ حدسي الذي لا يخيبُ يخبرني أني حينَ كنتُ معها اليومَ أني سأراها للمرةِ الأخيرة. إنهُ الوَداعُ وإنهُ الغيابُ الأخير!

ولا تملكَ سوى أن تمسحَ دَمعي، وتشاركني البكاءَ بصدركَ الأطهر. انسحبتُ مضطرة ليلتَها بعدَ أن أودعتُ جَبينَهَا ويديهَا المنتفختين قُبلاتٍ حارة. فتشَبثتْ برقةِ المُودعِ الهَرمْ بأصابعِي التي لامستْ أطرافَ أصابِعَها حتى لا أوجِعهَا. وصوتُ أنفاسهَا المُرهفةِ تحكي قصةَ الأسى، وتَضعُ لهَا نقطةَ الختامْ.

كانَ الفجرُ وجاءتني رسالةٌ نَصيةٌ كتبَ فيهَا أن: الوالدةَ صفيّة انتقلتْ إلى رحمةِ الله. فعدتُ إليْهَا بلا وَعي والفجرُ لم يطلعْ بعد، بي ألف سؤال وسؤال. وحينَ وصلتُ وجدتهَا نائمة وقد غطيتْ أطرافها كلها، كانت دافئة. وكنّ حولها متجمعاتٍ يبكين. وما نفعُ البكاءِ بعدَ الفقدِ ولا أملٍ في الرجوع؟! كل الكلامِ منهن بدا سخيفاً رثاً. وكلمةٌ واحدةٌ كانت تتأرجحُ مع مطلعِ الشمس:

-بئستُم!

إنها الآن؛ الرابعةُ فجراً، والعصافير حولي تزقزق، والهواء نفس الهواء، وأنا أدلفُ خارجَ المنفى محملةً بملابسها القليلة مما حَملوهُ معها إلى هنا. متيقنين أنها لن تَرى شيّاً. أتدارى وراء المقوّدِ، أهشُ دمعاتي وصراخي المحبوسْ والكثيرَ من العتبِ الذي فاتَ أوانه. جاؤوا بها مَلفوفةً ببياضِ كفنٌ يشبهُ لونَ شعْرهَا تماماً. وهم يتنازعون بينهم، أيهّم المخطئ في حَقهَا أكثر. وهي تسمعُ من تحت مرقدِهَا ما يقولون، تعجزُ عن الرد. ولو أعطيت كلمة أخيرةً لقالت:

-اذهبوا فأنتم الطلقاء..!

وكنتُ هناكَ حينَ أخرجوها وسجّوها وغسلوها وشاركتهم وأنا أعلمُ يقنياً أن العذاب الذي حملتهُ عشر سنوات كفيلٌ بأن يبقيها اليوم دُميةً تغسلُ وتكفنُ وتعطر. واستمَروا في عقوقهَا ميتة حينَ تسائلوا:

-أينَ يكونُ العزاء؟!

إنها الآن: الثانية عشرَ ليلاً، وأنا أتأملُ في لباسكِ الذي تركوه عندي ولم يسألوا عنه! أشمُ رائحةَ المنفى وأرى الغيابَ، وأتنفس الموتُ الذي سوف ينام معي الليلة وربما لأيام قادمةٍ لأن لا أحد سيهتمُ بممتلكاتكِ الفقيرةِ. أشياءكِ كلها في صندوق معطر لديّ. احتفظتُ بها حتى إذا ساورني الشكُ أنك هنا أخرجتها لكِ وعطرتكِ من عطري. أنها يا جدتي ترغمني على البكاء. وترغمني على التذكر أن لاشيء يدوم. وأن الأمنيات تبقى حبيسةً في صدر غائر.وأنه لا أحد يكترث، ولا أحد يهتم..! تجبرني رائحتكِ على تَعلمِ الدرسِ الأخيرِ منكِ. التسامحُ الذي لا يحدثُ جلبةً يسقط دونَ أن يكون لهُ دوي. وأن السقوطَ الذي لا تجدُ فيه من يقولُ لكَ فيه: (سلامات) موتٌ معجل!

لا أحد هنا يا جدتي الآن يمدٌ يديهِ لي إلا كمُّ ملبسكِ الذي أطويه بيميني مزيحةً عنهُ الدمعات بشمالي. فاذهبي بروحكِ العطرةِ إلى لَزيمي ولا تطرقي بابَ قلبهِ فهو يعرفكِ كما أعرفكِ، أخبريهِ أنكِ رحلتِ إلى عليين، ليأتي إليَّ .. وقبلَ أن أكملَ تحققينَ أمنيتي فيأتي لينتشلني من ضوضاءِ الأفكارِ التي تخنقني، فينفجرُ زلزالُ الحزنِ فيّ:

-لقد رحلتْ، وقد خذلَها الجميع. ولم أستطع إنصافها. لا أريدُ أن أموتَ وحيدةً…

-لله ما أخذ ولله ما أعطى. وأنتِ يا فَجري اهدئي، فالكلامُ الآنَ سيلٌ من وجعْ.

ضممتني إليكَ بحجمِ الفقدِ الذي خلفتهُ فينا. وبقيتَ صامتاً تكفكفُ دَمْعاتي التي تتدفقُ سيلاً. فالصمتُ في حرمِ الحزنُ من شيَمِ الكبار.

إنها الآن: الثانية عشراً ليلاً بعد اليوم الثاني للفراق، وقد ناموا جميعاً نوماً هنيئاً، وأصبحوا يستقبلون الزوار ببرودْ. وحينَ جاء المساء جاءَت النسوة بحكاويهن فنسوا ما جاؤوا لأجله بعد أن

جلسوا على الكراسي الوثيرة. ونسيّ الأهلُ من يستقبلون العزاء فيها. هي ماتت ثلاث مرات: الأولى حينَ كانوا صغاراً ونسيتهمْ.. والثانيةُ حينَ كبروا ونسوها..والأخيرة حينَ واروها تربتَها الأخيرةَ ونسوا أنها كانت هنا يوماً نَسوا أَنَ عَقَ وَالدَا عُقَ والدَاً.

انتهت

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *