نَصْلٌ مُصَوّب

الله، الحب والدعاء

أصعبُ الحديثِ هو الحديثُ عن القلب والحب، والصلاةِ والدعاء، لأن أول عقبةٍ تواجهُها هي المألوف والمُتعارفُ عليه. وأصعبُ الحديث من “زاوية أخرى” هو الحديثُ عن “الله” بالطريقة التي لم يعتد عليهَا الناس.

أودعَ الله فينا القلب، ووهبهُ الإيمان، وجعل لسانهُ الدعاء. وتلكَ ثلاثية الحياة التي يجبُ أن نحياهَا. إن الله حينَ خلقَ أبدع، وجعلَ في كل ذرةٍ ولو صَغرت سراً يكتشفهُ من تدبرَ وعَلم. فإذا كان على الانسان أن يأخذ من صفاتِ الله فعليهِ البدءُ بالإيمان.

إن الإيمان تصديقٌ يمر بطريقٍ الظن حتى يصبحَ يقيناً واليقينُ درجةٌ من العلمِ فوق المعرفةِ والدراية. الإيمانُ الذي يمنحُ صاحبهُ توازناً بينَ العقلِ والقلبِ هو الإيمان الذي لا يمكنُ أن ينفد. لأن معهُ تسكنُ النفس ويطيبُ زمانهَا. ويصبحُ الإنسانُ مكتملاً في مواجهةِ نفسهِ واثقاً من قُدراتهِ أمامَ الآخرين. فإذا تكلمَ أسْمَع، وإذا عَلَمَ استنفعَ الناس، وإذا صمتَ فصمتهُ نُطقٌ وبَيان.

لكلِ قلبٍ صلاة، وصلاةُ القلبِ الدعاء. القلب الذي لا يشيخُ هو القلبُ الذي يجعلُ في كل شيء يمرُ به فتنةً ودهشة، فتتحول اعتياديةُ الأشياء من نظرتهِ لها مُتميزةً وفاتنة. إن الفتنة التي لا تنطفىءُ جذوتها هي تلك التي يُشعلها القلبُ ويُصّدقها العقل. التأمل الذي يقودُ إلى المعرفة الحقّة هو ذلك المُرتبطُ بالقلب والعقل. وتلك صلاةٌ ودعاء. الصلاة هي: الدعاء والرحمةُ  والاستغفار. وعليهِ ليست المفهومَ الحركي التعبدي فقط بل تتعدى ذلك لتكون عملاً تُصدقه الجوارح. والتعايش مع العالم الخارجي من حولنا بالحُسنى هو ما يأتي بالرحمة والاستغفار.

إن الدعاء دعوةٌ مفتوحةٌ للتأملِ والأمل. التأمل في الكونِ وتسخيرهِ دعاء، والأمل فيما عند الله دعاء. إن المتأمل يعيشُ عبادة مستمرة، فهو من خلالِ علاقاتهِ الخارجية في حالةِ تَعلم وتَعليم مستمرة. لأنهُ يعرفُ أنهُ يُعطي الكونَ كما يأخذُ منه. ويفقهُ أن لكل شيء حولهُ تسبيحٌ فيحاول فهمهُ والتقرب منه بالنظرِ والمعرفة. تأملنا في وجوهِ الصغارِ، صوت الرياحِ، مد البحر وجزره، الأفلاك السابحةُ في الفضاء الرحب، كلها صلواتٌ صامتة تهبكَ سكينة وتمنحك القدرة على فهم الاشارات الكونية حولك. تلكَ الاشارات هي التي يسخرهَا الله لك حتى ترشدك فلا تظل. وفهمها لا يمكن أن يتأتّى إلا إذا أشرعتَ قلبك وأنصتَ في سكينةٍ إلى حديثهَا واستوعبتهَا بعلقك.

للدعاء رداءٌ مسبلٌ وهو الخشوع. فليس مهماً في دعائكَ صيغته بل الأهمُ أن تفقه ما تقول وتستشعرهُ أطرافك وتهتزُ له أعماقك. الدموعُ هي اللغة التي يفهمها الكل ولو اختلفت انتمائاتهم. هي اللغة الصامتةُ ومعراجُ الأحاسيس المُرهفة. الدموعُ غسولُ القلب، وتلك التي تنهمرُ في لحظةِ تجلٍ ووعي هي الأقرب للاستجابة لأنها من خشيةٍ ودراية. فلا أجمل من الخوف مع الرجاء، والعلمِ مع الخشية.

لا يمكننا تفسيرُ الحب، لأنه مشاعرٌ وعواطف مختلطة ولكنها تتمثل في كل الأفعال. الحب هو المودة والرحمة والشوق واللهفة والإحسان والجمال وكل شعور يتغلغلُ  في الروح والجسد ويصير جزءاً منهما. إن العلاقة التي تربطنا بالرب يجب أن تكون علاقة حب أولاً حتى تصح سائر الأعمال. وكأن الحب نيةٌ يتقرب بها إلى الله وقُربان حتى يحبنا الله كما نحبه. يقول ابن القيّم: إن من خضع بلا حب لم يكن عابداً.

يتجلى الله في كل الأشياء حولنا برحمته، فلهُ روح تحملنا للفضاء، وقلباً يطبطب على جراحنَا كلما نزّفت، ويداً فوق يد الجماعةِ حتى تقوّى وتتحرر من سلطة القديم وتقوم بالفعل الذي يرفعها إليهِ مكرمة طاهرة. إن أدركنا جميعاً أن الله في كل شيء حولنا سيتغيرُ الحال لأن كل فردٍ سيقوم بواجباتهِ بإحسان وعلى أكمل وجه، فتكونُ العلاقة طردية بينَ الواجباتِ التامة والتغيير اللازم لاستدراك الخلافة في الأرض.

القلب الذي لا يحب قلبٌ ميت والقلب الذي لا يشتاق قلبٌ فقد اتصاله بالحياة. علينا أن نروي قلوبنا بمشاعر من نحب ونروي نفوسهم بصدق أحاسيسنا اتجاههم. ونتعامل مع الكون كله بعين الحب التي تقنعُ بالقليل وتحسنهُ ليكون آية من آيات الله في الكمال.

الحب مطلب عقلي وقلبي وهو أداة تمييز وابهار ومن لم يفتح قلبهُ للعالم يأخذ من الدنيا أقل القليل. توازن الإنسان يأتي من القلب والعقل والروح والجسد والرابط الخفي بين هؤلاء هو الحب. فلا يكتمل أيهم دونه.

استقبلوا القِبلةَ وارفعوا أيديكم.. وادعوا بما تشتهي عقولكم وقلوبكم..فالله ينظركم وهو خيرُ العَالمين.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *