نَصْلٌ مُصَوّب

دَفعَة بِّلا..!

في كل مرة أطلب فيها القهوة أُخرجُ كلّ ما في محفظتي من (فكّة) لدفع ثمن القهوة، فقد تعودت وأنا الكسولة في الحساب؛ أن تقوم أمي بهذه المهمة الجبارة بدلاً عني، إلا أنني اضطررت أن أقوم بعمليات الحساب البدائية لأتخلص من هذه الفكة. اعتدتُ إن أحسن مضيّفي مُعاملتي أن أترك ما تبقى من سوء حسابي كإكرامية،  لأنها أقل ما يمكن تقديمهُ لمن يقف على رجليه طوال اليوم يقابل كل أصناف البشر بابتسامة ودودة تجعلكَ تشعر أن (البيت بيتك).

لفتني هذه المرة وأنا أنتظر قهوتي هذا الإعلان باللغتين العربية مُتقدمة على الانجليزية! ,وردَ فيه: (إذا أردت أن تقوم بتقديم المساعدات فلا تقدمها للمتسولين المحترفين بل قدمها للمؤسسات الخيرية المعروفة).

أعجبني هذا التنويه فأنا  مؤمنةٌ جداً بأن التبرع ثقافة، وليس ترفاً يُلقي به من رق قلبه على من هزل مظهره، كطفلٍ بملابس مهترئة، أو أم تحمل طفلاً في يدها وتدفع آخر في عربة وتطلب من الله أن يمد لك في السعة، أو شاب يفاجئك بكامل قوته يطلب مساعدةً أياً كانت! إن قلوبنا الرحيمة كشعوب “عربية” تحّن و “إسلامية” تلين أكثر. فنلقي بها علّ الله يزيحُ بها خطيئة اقترفناها عمداً!

كثيراً ما يأتي هؤلاء المحترفون مبادرين بعبارات كـ(السلام عليكم) و(شيخة) و (الله يخليك) كلها دلالات احترافية على هذه المهنة غير الشريفة، والتي ندعمها نحنُ دون أن نعي خطورتها! هؤلاء البشر لا يعنيهم أن يبّروا أبنائهم فهم يزّجون بهم إلى هذه المهنة بكل خشونة ويحرمونهم من طفولة عفيفة. نحنُ بإعطائهم مالاً ولو قلّ؛ ندعم أناساً يقتلون طفولة أبنائهم. هذا الاستهتار بروح الإنسان وكرامته ليس له آخر. فكل ما نفعله هو تعزيز “امتهان” كرامة الإنسان بدافع الإحسان أو كما نقول دوماً: (دفعة بِلا).

إن الإحسان مطلبٌ في كل شيء. لذلك يتوجب علينا أن نؤسس لثقافة تبرع حقيقة. ثقافة تزرعُ القيمة الدنيويّة كما تزرع الأخروية في النفس.

إن فهمنا لموضوع “الأجر” في التبرع يجب أن لا يكون قاصراً على (بناء مسجد أو طباعة مصحف!) –وأنا هنا لا أقلل من قيمة هذه- بل يجب أن يكونَ متعديّاً إلى منفعة حقيقية وملموسة للمجتمع. فمتى ما أنفقت الأموال في منافذ تخدمُ المجتمع فتجعلُ من العاطل عاملاً، ومن الجاهل متعلماً، والخامل منتجاً، هنا نكونُ قدمنا فعلاً حقيقياً متعديّا. وأسهمنا في بناء مجتمع قادرٍ على الاعتماد على ذاته محققاً لهدف الاستخلاف في الأرض.

إن أكثر الأسئلة التي تراودني: لماذا لا تكونُ هناك مؤسسات خيرية تدعمُ الأبحاث العلمية الجادة وتفعلّها بدلاً من تلك التي تهتمُ بتزويج (500) شاب؟!

الناس الخيّرون مستعدون لبذل أموال طائلة من أجل الخير، وهذه بركةٌ بلا شك. فلو قلتَ لأحدهم هذا المبلغ تريده لأي من أعمال الخير سيجيبك ببديهية ( مسجد أو بئر) وإن حاولت إقناعه بفتح مدرسة فربما لن يقتنع. لأن ذلك يعودُ إلى الموروث المختزل عن صورة “عمل الخير”.  إن هذه المسؤولية تقع على عاتق المؤسسات الخيرية وجامعي التبرعات أولاً: في خلق (ثقافة تبرع جديدة) وثانياً وهو الأهم: إيجاد أعمال (معرفية إثرائية) حقيقية تساهم في بناء أفراد ومجتمعات أكثر وعياً ودراية.

أهميّة الجمعيّات الخيريّة تكاد تكون أكبر من الدور الذي اتخذته مسبقاً ولا زالت. المسألة ليستْ في تغطية الحاجات الدوريّة المتجدّدة كالمأكل والملبس والمسكنْ. وإن كنت لا أُغالي إن قلتُ بأن جمعيّاتنا الخيرية لا تكاد تسد كل هذه الاحتياجات.. ولكنْ.. هل لها أن تدفع الكهرباء عن كل الأُسر التي تتجمّع في غرفة واحدة لأن أوضاعها الماديّة تكاد تكون معدومة؟ أو تُساهم بإدخال أطفالهم للمدارس؟ أو توفّر مقاعد دراسيّة في الجامعات؟ .. أو تفتح صيدليّة لمساعدة من لا يستطيع ؟ لمَ لا نصرف النقود على أمور أكثر فائدة للمجتمع؟. لماذا لا يكون هناك مستشفى آخر مثلا؟ أو المساهمة في تطوير المراكز الشبابية التي يكاد دورها أن يكون ضئيلاً وغير ملموس في المجتمع؟. لماذا لا يكون هناك إضافة عميقة وتترك أثرا جليّا على أبناء البلد؟

إن التبرع كسائر الأشياء المُتغيرةِ يجب أن يخضع لظروف الزمان والمكان. كما أن دفعَ عجلة التنمية والمعرفة في مجتمعاتنا أولى من بناء المساجد ودعمِ تحفيظ القرآن ..الخ. فالعباداتُ كالصلاة والحفظ والصوم والذكر وغيرها جُلّها لا تحتاج إلى مراكز فخمة ودورٍ ممتدة. إنما الأعمال التي تحتاجُ إلى وفرةٍ مالية هي بناء العقول. فلنسعى لدعم المراكز البحثية والإنفاق على طلبة العلوم بشتى أنواعها والمشاريع النوعيّة المختلفة التي تصبُ في هذا الاطار. إننا بحاجة إلى دعم هذا الجانب في الوقت الحالي لأننا نشهدُ التغييرات في العالم من حولنا. فدخولنا في السبق الحضاري والتقدمِ خطوات إلى الأمام لن يأتي فقط من الصلاةِ والدعاء. بل من العلمِ والعمل. فّهلا أدركنا واستوفينا أول ما نزلَ بهِ الوحيُ من السماءِ العليا “آية”:{اقرأ}؟!

رأيان حول “دَفعَة بِّلا..!”

  1. بو سيف يقول:

    هذا البناء العظيم في الطرح يسعى ليُطاول الجوزاء.

    يحتاج قرارا. يحتاج قدرة. يحتاج عزما وصبرا. يحتاج إيمانا تامّا.. يحتاج أن نلتفت للقضيّة الشاملة. يحتاج إلينا.
    نحن لا نعي. نُحاط بدائرة مجتمعيّة لم يحاول أحد كسرها (أو فلنقل بأن المحاولات باءت بالفشل). نتأثّر بالتقليد نُؤمِن بالصورة الظاهرة للتبرع.
    هل من الطبيعي أن نفكّر بالفقر كقضيّة تتفشى ؟.
    وجود الكثير من الجمعيّات الخيريّة قادرة على إشباع الأفواه الجائعة

    هناك قضايا أخرى للتبرع

  2. عبدالرحمن المطوع يقول:

    مقالة مميزة جدا … وابشركم .. بحمد الله بعض المؤسسات الخيرية تمت البحث بجدية في هذا الموضوع … وإن شاء الله نجد أثرها على أرض الواقع قريب

    وأعتقد أن الجملة التالية :
    (إذا أردت أن تقوم بتقديم المساعدات فلا تقدمها للمتسولين المحترفين بل قدمها للمؤسسات الخيرية المعروفة)

    لا تصلح لعاملنا الاسلامي … لكنها تصلح للعالم الغربي … والله أعلم
    شكرا لكم

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *