حِكَايَة

كوني هنا..كوني أنا

صوتُ المطرِ على الأرض حياة، وصوتُهَا تسبيح. هكذا كان يرددُ وهو يَتلوّى على سريره. يفتحُ عيناه مُتأملاً السقف والجدار الفارغَ أمامه. يغمضُ عيناه كأنه يسمعُ وقعَ كعبهَا، ويشتدُ المطرُ مُعلناً ميلاداً للأشياء التي يحييهَا.

لا يمكن أن تأتي. هي لا تعرفُ ما به. لأنه يتبعُ سياسة المَرض الصَامت معهَا. تُعلقُ عليه: حتى صَمتكَ أسمعه. لا فرار. إنهَا صيدلانية فذّة، وأن الأدوية التي تُركبهَا قادرة على جَعله بعد ثوان من تناولهَا أنشطَ من طفل تعلم المشي منذُ أيام لا يكفُ عن المشاغبة. يبتسم لذكراهَا كلمَا اجتاحتهُ. الذكرياتُ وقت المرضِ مسكنٌ من نوعٍ آخر. يباغتهُ الألمُ من جديد حينَ يسمعُ صوت جوالهِ يرن في الطرف الآخر من السرير. إنها هي بالتأكيد. يقرر أن لا يردُ. نحنُ نداري ضعفنا عبرَ وشاحٍ من البعدْ وما أن يزيحهُ قلبٌ نقّي حتى نتخذهُ وقاية من البرد، ومرجعاً للحنين. المطرُ يزدادُ طرقاً على أبواب الأرصفة. وَصوتهُا يَنزلُ مع المطر: ردّ علي..ردّ علي..ردّ علي.

يسحبُ نفسهُ بصعوبةٍ نحو الهاتف. تتنتهي النغمةُ حينَ يصلُ إليه. يعاودهُ الألم. وتعاودُ الاتصال:

-ألو..

-لا تتحدثْ، أنا قادمةٌ إليك.

-أأأ…

-أراك بعد دقائق.

لا يغلقُ الخط هذه المرة، هي تفعل. يعرفُ أنها ستأتي، كلماتها في نصابهَا دوماً. تقولُ ما تفعل. وتفعلُ ما تقول. هي امرأةٌ لا تكترثُ حتى لشهَادتهَا التي كافحت لأجلها طويلاً. هي من النوع الذي يحمل كلامهُ دُرَراً ويحملُ صمتهُ عِبَراً. لا يذكرُ كيفَ التقاها أول مرة، ولكنهُ يعلمُ يقينَاً أنها أنزلت عليه تنزيلاً. وجهَها طفولي بملامحَ مُغردة، وجسدها يانعٌ كأوراقِ ورد، وحَكيُهَا مقطوفٌ كَكرْزْ. لا ينسى حينَ قالت له أول مرةٍ محذرةً: قَليلُ حُبي مُسكِرْ. لم يتمالكْ جسدهُ كَلماتَها، سرَت قشعريرةٌ في جسدهِ واشتعلتْ شياطينهُ طَرباً. هناكَ أناسٌ يشدونكَ من أولِ التفاته..من أول حرف..من أولِ نظرة..هؤلاء تعيشُ معهم المغامرةَ وتصطحبُ معكَ الأنس في كل لحظةٍ معهم. هؤلاء كالهدايا تفرحكَ باستمرار حين تأتي على غير موعد، بلا تخطيط ولا ترتيب. هي امرأةٌ من تفاصيلها تستطيعُ رتقَ السماء بالأرض بإبرةٍ واحدةٍ وخيطٍ واحدٍ لا ينقطعْ..!

يسمعُ وقعَ كَعبهَا، ويتوقفُ المطر. تَدقُ الجرسْ، يُسْتَفزُ جسدهُ لقرعهَا، وتدّبُ حياةٌ في أوصالهِ تساعدهُ على القيام لفتحِ الباب. ومع فتح الباب الذي يقفُ وراءهُ الحبيب، يكتبُ عمرٌ جديد لنَا، وللشوارع، والأبواب، وعواميد الانارةِ، وكل شاهدٍ على هذه اللحظة التي تلتقي فيها العيونُ مُصافحةً مُتشربةً للكثير من الوجدْ والقليل من الانتظارْ. تضمهُ بحنانٍ جمّ ورفقٍ تخافُ كأن تكسرَ أضلعه لوَهنها، تطالعُه أكثرَ بعينهَا المُتسعتينِ وكأنها ترددُ أذكاراً تشفيه. تسندهُ في المَشي وهو صامتٌ لا يتكلم. هناك نوعٌ من الصمت يحملُ الهيبةَ شعاراً. صمتٌ يجعلُ العينَ تدمعَ لشدة ما فيهِ من كلامٍ مباح وغير مباح. لكثرةِ ما يوجع، لكثرة ما يُبري.

تُبادرُ قاطعةً الصمتَ:

-لماذا لم تحادثني من قبل؟ تعلمُ أني كنتُ سآتيكَ.

-الموضوع بسيطٌ جداً.

تصمت، فيتقاطرُ من جبهته ندىً طري، يلطفُ من حدةِ تواجدهَا حوله. لا يقدرُ مطالعتهَا، تدهشهُ في كلُ شيء، يربكهُ طَرفهَا. تمدُ يدَهَا إلى جبينهِ وتمسحُ برفق. تتحدرُ على خدهِ قطرةٌ تفقهُها، يغمضُ عيناه:

-كثيرٌ هذا الحنانُ عليّ.

تبتسمُ:

-لا أريدُ أن أسمعَ هذا الكلام. سأفحصكَ الآن. حقيبتي الشعبيةُ معي. وملابسي معي، لن أتركك الليلة.

تسألهُ أسئلة متقطعه عن  ألمهِ، وهو يغارُ من لمسِ أطرافهَا على جسدهِ النحيل. يجيبُ وتخرجُ الكلماتُ متعثرة بشوقهِ وآلائهَا. تدركُ ذلك فتكتفي. ولا يكتفي المحبُ من الشوق. ولولاهُ ما تَصبرنَا على ألمِ البعدْ، وما قبلنا التسويةَ مع الظروف. هي تعلمُ أنهَا وجعهُ الآن أكثرَ من سقمهِ، موقنةٌ أن حنانهَا شفاؤه. تخرجُ من حقيبتها علبةً زرقاء صغيرة محكمةَ الاغلاق. تقول له بحزمِ المُحب:

-ستأكلُ الآن من هذا (الشمَر) لن تصدقَ مفعوله. نصفُ ساعةٍ فقط وستكون أفضلَ حالاً.

-كلا، لن أفعل. لا أحبُ هذهِ الأشياء. لن أكونَ حقلَ تجاربكِ يا حُلوتي.

-تعلمُ أني لا أجرب. ولكن يا حُلوي، ستجربه الآن. أنا سُلطتكَ العليَا. لن تَردَ يدي.

ويغمزُ لهُ قَلبُهَا قبلَ عينهَا. وتمدُ يدهَا ليديهِ التي فرَدهَا على استحياء لتضعَ (الشمر) في يديهِ. هَزةٌ خفيفةٌ تحدثُ ليديّ كليهَما من التقاءَ ولههِ بغنجهَا. فينتثرُ بعضهُ من يديهمَا على ملاءاتِ السريرِ البيضاء والأرض. تقومُ لتكملَ تطبيبهُ ببعضِ الشراب. ماءٌ ونعناع وقليلٌ من السكرِ حتى يستسيغَ شربَه. لأنهُ رجلٌ يؤمنُ أن المعادلاتِ الكيميائية والأقراصَ الطبية أفضل وهي تحبُ الطبيعةَ أكثر.

تعودُ إليهِ، وهوُ يأكلُ (الشمر) بامتعاضٍ، فتطلبُ منهُ بابتسامةٍ أكثر اشراقاً من قمرٍ منتصف أن يشرب القليلَ منه فيشربُ من يديهَا شربةً يعلمُ بعدهَا أنهُ منذورٌ لحبهَا ومنذورٌ لهُ قلبهَا دونَ أن يقدمَا قربانَا أو نذوراً يكفيهُمَا سقفُ حب. استرخت قِبالتهُ ممسكةً بيدهِ وانطلقَ لسَانهَا يحدثهُ عن كل شيءٍ. حينَ تتحدثُ عن كلُ شيء: يتلونُ العالمُ بألوانِ قوسِ قزح. كلُ الألوانِ تصبحُ نضرةُ ومنعشةً كأنهَا اصطبغتْ للتو. تتسعُ عينَاهَا مع كل الأحاديثِ المشوَقة التي تحكيهَا. وتضعُ يدهَا على قلبهَا كلما أحزَنهَا ما تقول. وحينَ تضحكُ يصغرُ بؤبؤُهَا وتتسعُ الدنيا باتساعِ السماواتِ السبع!

ظلَّ يستمعُ إلى حديثهَا ويستمتعُ حتى أصبحَت آلامهُ أكثر وداعَةً إلا أنهُ لم يبحْ، لا يريدُ لقمرٍ نزلَ إليهِ أن يصعدَ إلى سماءهِ  دونَ أن يحضنه. لا يريدُ لليلِ أن ينتهي. هي قالت: (الليلة) وفي داخلهِ صرخُ: (بل عُمراً). هي تعلمُ أنهُ بدأ يستعيدُ عافيته، استلقتْ بجانبه ومدَت إلى شَعرهِ الفَتيّ أنامِلهَا وقالت:

-غداً ستصحو، سيكونُ حُلَماً بأثر. غداً سيتناثرُ الثمر. غداً سأحبكَ عُمراً جديداً. غداً سيتساقطُ المطر.

حينهَا كانَ المطرُ قد توقف. فالمطرُ ينزلُ حينَ تحتاجُ الأرضُ إلى إرتواء، وفي حضرةِ عَطفهَا ورقةِ قلبهَا لا يحتاجُ العالمُ إلا هي، هي تصبحُ الارتواء. أدركَ أنها عَلمتْ أن ما تحدرَ من جبهتهِ واختلط بعينهِ ما كان إلا دموعاً صامتة. ففي المرضِ نحتاجُ حنانَ من نحب أكثر من حاجتنا لأنفسنا. وتُصبحُ الدموعُ الصامتةُ رواياتٍ خالدة.

حينَ تنفسَ الفجرُ شدْو العصافير. فتحَ عيناهُ ، اشتمَ عطرَهَا، لم يصدقْ. أرحلَتْ؟ جِنيتي الصغيرةُ هل كنتِ هنا؟ يلفُ رأسهُ يسمعُ كلماتها:

غداً ستصحو..

سيكونُ حُلَماً بأثر..

غداً سيتناثرُ الثمر..

غداً سأحبكَ عُمراً جديداً..

غداً سيتساقطُ المطر..

يتلفتُ باحثاً عن الأثر.. يجدُ (الشمر) المنثورَ حوله، يتبعُ الثمر.. يراهُ على الأرضَ.. يؤجلُ حديثَ الحبُ حتى لا يكونَ سراباً..يرى كوبَ الماءِ وأوراق النعناعِ بداخله، وهطل المطرُ حينَ دمعَت عيناهُ وهُما تَتلوانِ ما كُتبَ على  الحائطِ الأبيض أمامهُ نحتاً في مواضع لمْ تُمس:

 

قلتُ لكْ:

كُلي مِنَكَ وكُلي إلَيْك..

قلتَ لي:

كوني هُنا..كُوني أنا..

 

رأيان حول “كوني هنا..كوني أنا”

  1. بو سيف يقول:

    كائن مُخيف.. فتّاك.. فيلم سينمائي

    ما قرأته لم يكن عاديا ليكون تعبير موقف وحسب، كانت معانقة طويلة..

    قَطِيفَةٍ نَضِرَةٍ رِيحُهَا الآسُ والأَقَاحُ والوَرْدُ وصَوتُهَا بَلابِلٌ وحَفِيفٌ وأُغْنِيَاتُ رِيْحٍ، بَيْضَاءَ نَدِيَّةً تُسْبَرُ أَغْوَارُكِ عُيُونِ المُتَفَرِّجِينَ لتَظْهَرَ تَكْوِينَاتُكِ السِّحْرِيَّةُ وتَرْكِيبَاتُكِ اللوْنِيَّةُ!

    طويتُ القصة ووضعتها تحت وسادتي التي تحتضن رأسي برفق بعد أن دوّنتُ أسفلها: (رغماً عنّي، ودون استئذان! )! شيئاً يلهيني ويجعلني أسلو بعيداً في أديم مختلف ينسيني أنا ويُتعبُ عينيّ لأنام..

    دسستُ وردة في ذات الصفحة .

  2. مجد خالد يقول:

    رائعة انتي كما عهدتك وتؤثرين حقا. ما قرأته ابهرني سأكون من رواد صفحتك منذ الان
    لك كل أمنياتي بلتوفيق

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *