حِكَايَة

أشباحُ الأمنيَات

وارتمت على كرسيها طفلةً في حضنٍ باردْ، تُلملمُها النمارقُ قبلَ حرائرِ الأريكة، تنظرُ من بعيدٍ إلى دميةٍ لم تتخلى عنها بعدُ رغمَ مرورُ نيفٍ وعشرين سنةٍ على تواجدها معها، تقرأُ أسرار وجهِهَا وتخيطُ لها من عتمةِ الليلِ سراجاً يُسرفُ في النورْ ..!!

تَرفَعُ يَدهَا التي رَمَتهَا دونَ اكتراثٍ على الأرضْ، تَمتدُ حيثُ تستقرُ هذه اليدُ بلا توقفْ هناكْ، هناكَ نحوَ الأسفلْ، هناكَ حيثُ تتمنى كلُ أنثى أن تكتملَ أنوثتها في تسعةٍ أشهرْ، على بطنهَا تقيلُ يدهُا، وتبيتُ الليلَ دافئةً آمنة. تَضعهُا بكلٍ حنانٍ ورفقْ، تضعُها حتى لا توقظَ النائمينَ الذينَ لا يقومونَ أبداً، تضعهُا بهدوءٍ تامٍ لتشعرهمْ أنهَا هنا كلَ حينْ.

هل يسمعونَ نداءاتها المندثرةِ تحتَ جلدها؟!

هل يرتدُ لهمْ صدى بكائها ليلاً؟!

هل يُلَبُونَ ندَائهَا يَومَاً وَ يقبلونَ كربيعٍ طلقٍ يبتسمُ عندَ المغيبْ ؟!

يُخيلُ إليها هذا البطنَ ينتفخُ حينَ تضعُ يدها عليهْ، تتخيلُ سكناتَ مُضغةٍ امتزجتْ بدمها، وجنيناً يأكلُ معها ويتنفسُ من هواء رئتيها، يمدُ رجليهِ رافضاً بقاءهُ أكثرْ، يقتبسُ النورَ من عينيها فيرى الدنيا جميلةً وهي خلافُ ما اشتهتْ دوماً ..!

تتخيلُ أنها تقرأُ عليهِ قصةً قصيرة، أو تقرأُ لهُ شعراً، أو تُفلسفُ عليهِ أمانيّها، أو تشاهدُ معهُ شيئاً يهمُها معاً. أي شيءٍ ليكونَ كما تريدُ كما حَلمَت هي؛ ولم تكنْ أحلامها سوى هواءً متجمعاً في انبوبةٍ مفرغة! فليكُن –طفلها- واقعاً شهيّا رضياً كما العنبِ أو حباتِ التوت، أو شيئاً شوكياً يعرفُ كيفَ يواجهُ آلامَ الحياة، تريدهُ أن يكونَ و أن يكون وأن يكون …

حتى تنقطعَ أفكارها بحرارةِ يديهَا التي أحرقتْ جلدهَا إلا قليلا .. فليكنْ أي شيءٍ يريدهُ أو لا يريدهُ، فقط ليكن هنا.. بينَ يديّ طفلةً استبدلُ بها تلكَ الدمية، أو طفلاً بكاءهُ شِعرٌ مَوزونْ .. أو كِلاهُما فلا يكونُ لها وقتٌ تلفُ فيهِ ضفائرها أو تقلمُ فيه أظافرها ..!!

مُذ تَشكلتْ خَفَقَاتها، وهي تحاولُ أنْ تفقدَ الأملَ في أن يكونَ لهَا نصيبٌ كنصيبٌ الأخرياتِ من قوافلِ الأمهاتْ، المستحقاتِ لأطفالهّن وغير المستحقاتْ، ترغبُ أن تشمُ مفرقَ رأسِ طفلها الذي لا يأتي أبداً، أن تغدقَهُ بمسكٍ لا يفارقُهُ أبداً، أن تلفهُ تحتَ عَبائتِهَا في محاولةٍ لدفعِ البردِ عنهْ، أن تشتري لهُ في العيدِ لعبةً تلهو بها معهُ. أو أن تتنافسَ مَع طفلتهَا في أطولِ ظفيرة، أو أن تقفَ بجانبِ البابِ وهي ترقبُ طفلتهَا تحاول أن تضعَ زينةً كزينتِها، تعبثُ بأدواتِ مَكياجِها وتصْنعُ مِن وجهِهَا الطُفوليّ لَوحةَ قَوسِ قزحٍ آسرْ ..!!

أواهُ أيتها الأحلامْ .. أواهُ أيتها الأمنياتُ الساذجة ..!!

ربما تفكرُ أيضاً أنها لا تستحقُ أن تكونَ أماً تكفيها طفولتها التي مازالتْ تُعايشهَا، وما زالتَ تتشبثُ بها رغمَ بلوغِ التجاعيدِ الصغيرةِ باحةَ وجهِها البَهِي..وتعودُ من جديدٍ لتدْحرَ هذه الفكرة تماماً وتبعدها عن تفكيرها وممراتهْ، وتغمرهَا موجةٌ من التساؤلاتِ التي لا تنفكُ توجعْ: كيف يمكن أنها لن تستطيعَ أن تكونَ أماً وهي التي ساعدتْ في تربية اخواتها الصغار، وهي التي تملكُ قلباً بامكانه احتواءُ الدنيا وما فيها؟! كيفَ لا تستطعُ أن تكونَ أماً وهي تكرهُ الذين يضربونَ أولادهمْ بقسوة أو برقة؟!

إن أخطأت في تلكَ الأشياء لن تخطأ في ما خُلقَ عليهِ جسدهَا، الممروجِ من نورٍ وطينْ ومخلوقٍ من أضلعٍ عوجاءَ لا تؤذي، وإن أخطأت هذه لن تشّذَ عن فطرتها التي جُبلتْ عليهَا، سُبحَانِيةَ أن يكونَ لها من جسدها نطفةٌ تكبرُ وتكبرُ لتغدو أمَامَها بَعدَ حِينٍ مَلاكاً طاهِراً من كلِ سوءْ..

تموتُ كَمَداً من حماقةِ النِسَاءِ حينَ يحسدنَّهَا عَلى أنَهَا لَمْ تُنجِبْ وأنَها بَاقيةٌ عِلى رَشاقتِها مُنذْ عَهِدنَّها فتاةً بكْرَاً فاتنة، وعلى مساحةِ الفراغِ التي تعشيهَا بعيداً عن صراخِ الأطفال..!!

هل يحاولونَ اقناعها بأنهم ليسوا أفضل حالاً منها؟!

ماذا اذا باغتتهم بسؤال من هذا النوع :

( هل تَتَخَلََينَ عَن طِفلٍ مِن أطفَالِك، وَتتمنَينَ أنكِ لم تُنجِبيهِ ؟! )

لا تستطيعُ في هذه اللحظة تَخيلََ مَدَى الحَنانِ الذي سَيسْتَغرقُونَ فِيهِ وَهُمْ يتفدّون أطفالهم ويُوَلوّلوُن من كهذا سُؤالٍ..!!

هُنَ لمْ يُجربْنَ يَومَاً أن يسْمعن عَويلَ بكاءٍ أطّرافهنَ وانتحابِهَا كُلمَا تَراشقَت الهَمساتُ واللمزَاتُ من حولهنْ، وَلَمْ يَعشنَ في خرِيفٍ دائمٍ شاحبْ يخْلُو من التلّون والتَبدلْ ..!!

لَقَدْ تَعبتْ مِن تَمْثِيلِ دَورِ الغيرِ مهتمةٍ بهذا الموضوعْ، وإنْ غّدتْ أكثَر احترافيةٍ في كَبْتِ الدمعاتِ وخَنقِ الشهقاتْ، أصْبحَت تَحْترفُ اغْداقَ ابتساماتهِا حينَ يقالُ لها: ( إن شاء الله نشوف عيالكْ)، كأن الناس يأسِوا لكثرةِ ما تقول لهم : ( الله كريم )، فأصْبَحوا يُبدِلونَ دعائهمْ بِنظَرَاتٍ بلهاءَ يُسدِدونَهَا إلى بطنهَا وحجمها الذي لا يلحظونَ إلا نُحولةُ ليكتشفوا في نهايةِ المَنْظَرْ ” أن لا جديد يذكر “، ألا يعلمّونَ أن نظراتِهم هذه قاتلةٌ بما يكفي لاعدامِ قريةٍ بأكملها ؟!!

تمرُ سَنواتُهَا عِجافَاً ثِقالاً مَعجُونَةً بِآهَاتْ الانتِظارِ وَلوْعَةٍ لا تُطاقْ. سَنواتٌ لا يَبيتُ الا الوَجَعْ فِي مَخدِعِهَا ولا يُغطِيهَا إلا لِحَافُ الأمْنِيَاتْ يَمِينُهَا لا تَسْتبدِلُها بِشمَالِها تَبَارُكاً باليَمِين، عَلَى ذاتِ المَكانِ حيثُ فُصِلَت عَن أمِهَا يَوماً ذَاتَ نَزْعْ ..!!

بعدَ رُبعِ عِقدٍ وَمَا يَزيدُ أصْبَحَ الانتِظَارُ لا يُسَاوِي شَيئاً، وَأشباحُ الأمنياتِ تأتِي شَاحِبَةً بِلا تَلّطفْ، إلا أن طَيفَ دُمْيَتهَا مَا زالَ يَطرَحُ أجنّةٍ للتفكيرِ والتخيلِ كلمّا هَزّتْ أوتارَ الحنينْ بشعورٍ مرهقْ.

حَتى اسْتيقظَتْ ذَاتَ يَومٍ لتَجدَ يَدَهَا نُسِخَتْ على بطنَها وطبِعَتْ عليهِ كلُ تفاصيلِ يديها من خمسِ بَصماتٍ لأصابعهَا النَحيلة، وخطوطٍ وتعاريجَ حادة، لتشكلَ قَلبَ يدٍ غَدَتْ نسختهُ الأصليةُ خاليةً مِن التفَاصِيلِ تَمَامَاً كَسَماءٍ جرداءْ أجْهَضَت كلّ ما فيها من غيومْ ..!!!

 

تمت..2006

رأيان حول “أشباحُ الأمنيَات”

  1. عائشة المهندي يقول:

    متابعة دائمة لجمال حرفك ..

    دام لنا تميزك ..

  2. عائشة العسعوسي يقول:

    أبدعــتي صراحةً ..
    وكلمات قليله تعبر عن المـشاعر ..
    بالتوفيج …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *