حِكَايَة

دُمَى

حسناً ..

سأحاول البدءْ حيثُ الثامنة ُ كانتْ فورةَ الطفولة، كانت الطفولة تعني اللعبْ بلا حدود ..

الواجبات المدرسية .. وكراريس الدراسة آخر ما نفكر به، وأول ما نبدء به عند العودة من المدرسة حتى لا تطاردنا الأفواهُ الكبيرة بمغادرةِ أراضي اللعب والعودة لمتابعةِ الدروس ..!!

في مكانٍ قصيّ .. تتدحرجُ الآهاتُ المبتورة، والصرخاتُ العتيدةِ، لأطفال يلعبون كل الألعابِ الخشنة، وكل الألعاب اللطيفةِ التي تليقُ بذواتِ الضفائر. مكان واحد فقط يستطيع لملمة َ كل شيءْ، وفضحَ كل شيءْ على أسوار النصبْ

(تحت الدرجْ ) ..

هذا المكان الذي تفوحُ منه رائحة اللعبْ والدمىْ ..

والحكايات العتيقة …

كانَ شبهَ غرفة، ولـ لعّابةٍ أولى بالدمى .. كانَ غرفة ً وغرفة ً كبيرة ً أيضاً .. لا يتجاوز حجمُ هذه الغرفة سوى متر ونصف عرضاً أما الارتفاع فكان يسمح لي بالمرور دون صعوبة ولا شك اني ما زلتُ لا أعرف القياسات الدقيقة لها إلى الآن وهو شيء طبيعي بالنسبة لطفلة ٍ لا تحب الرياضياتْ والأشكال الهندسية ..!!

بابٌ صغير يحبسُ الدمى والألعاب البلاستيكية الكثيرة، اختزل لونَ أغصانِ الشجر فيه، ذو قبضةٍ أنيقة مطلية بلون الذهب .. أما الداخل فـ سيمطركَ ألوان قوسَ قزحٍ التي لونته وكستهُ ثمارا ً يانعةٍ لكل أصناف الثمر..!!

الألوان الطباشيريه .. شكلت معالمَ أخرى لهذا الباب الصغير .. وأجواءَ ربيعية في هذه الغرفة الجميلة.

كنتُ أدخل هناك .. وأمضي ألعبُ لعبً متواصلاً .. وأحياناً تخصف أجفاني ويغزوني السواد .. وأنامُ على النمارق ِ الصغيرة المبعثرةِ في أنحاء الغرفة. يرقبني صندوقي الكبيرْ الفضي ..

هذا الصندوق ما زال يرتسمُ في مخيلتي، كأنهُ زئبق، لا أستطيعُ لملمة َ تفاصيلهْ. هو صندوق أنيق بحجمٍ كبير، ومن الداخل يكسيهِ قماشٌ أحمر، مقلم بخطوط رمادية وأخرى سوداء، تزيدُ من ألقهِ الإنجليزي ..

تحكي أمي قصة َ هذه الصندوق، ” ففي أحدى الأزمان القديمة كانت تحملُ فيهِ أشياءَ غُربتنا .. ملئتهُ مرة ً بعدد لا نهائي من ملابس الأطفال التي كنتُ أرتديها، والتي لم أرتديها، والتي تنتظرني حتى أكبرْ .. ”

أودعتُ فيهِ مدناً مختلطة .. كانت تعجبني الدمى البيضاء والشقراء بادئ الأمر .. إلا أني بعدَ زمنْ، فتنتني الدُمى السمراء جداً بشعرها الطويل الأسود أو المائل إلى السوادْ أصبحت مجموعتي الغير عنصرية مجموعة ً فاتنة، كأنها مدينةٌ قائمةٌ بذاتها، كل مكان في هذا الصندوق شكل مكاناً في هذه المدينة. ولأن الأنثى وإن صغرتْ تعشقُ البذخ كان السوق ُ أول أسس هذه المدينة ، ببساطة الأطفال كان محل الخضروات الأول .. وبعدهُ السوبرماركت ، والاجمل محلُ الملابسْ الذي ابتدعتهُ لمديتني ..!!. على الجانب الأيسرْ منه كان بيت دمايَ العزيزة. أذكرُ ان هناك كوّنت غرفةَ نوم .. صنعتُ السرائر من مخلفاتِ أقمشةِ أمي التي كانت تتركها عندما تخيط ُ شيئاً ما.. اعتنيتُ بالتفاصيل ِ الدقيقة لهذه الأسرّة من القطن المكوّن الأول للسرير، والشرشفُ الأولْ الذي يغطي العهنَ المندوفَ أسفلهْ، حتى المخدّةِ المتناسقة مع الغطاءْ. تسريحة ٌ زهريّة اللون قبالة الأسرّة. اشتراها لي أبي مرّة ولا أذكر المناسبة، وربما لفرطِ حبهِ لي اشتراها بلا مناسبة. كل شيء كان مرتباً في هذه المدينةْ، حتى ساعةُ الحائط.

كنتُ أدخلُ هذه الغرفة فأنسى من أكون .. ولا أدري : هل أصَيّرُ نفسي كالدمى؟! أم الدمى التي تصيرّني هي؟!

والأكيدُ أني أحكيها وتحكيني، كنتُ أحكيها عن أيامي التالية، وتحكيني عن أيامها السابقةَ ..!!

القدرُ الوحيدُ الذي نستطيعُ أن نكتبه هو أقدار الدُمى ..!!

ولعبتُ ولعبتُ ولعبتُ .. وكنتُ كلما كبرتُ تزيدُ نشوتي في هذه الغرفة، أحرق فيها ما تبقى مني من مقاعدِ الدراسة الباليةْ، وعويلِ المدّرسات الذي لا يتنهي.. والأيام تمرُ كالسحابْ، لا تقربها فإنها تتلاشى ..!!

وتلاشت حقاً ..!!

جئتُ لأندسَ بينَ ألعابي الكثيرة .. وبينَ عبثِ الحكايات المنتشرةِ فيها ..

حاولتُ الدخولَ أولَ مرة .. فارتطمَ رأسي بالسقف ..!!

دخلتُ عنوةً وبكيــت ..!!

حين غامرتُ بالدخول في اليوم التالي، أحنيتُ رأسي لأدخلْ .. وحين ولجتُ انحنى شيء بداخلي .. حينها فقط ..

علمتُ أني دخلتُ عالمَ الكبارْ ..

وحتى لا أنحني بعدها أبداً ..

لم أحاول من جديد ……………….!!!

رأي واحد حول “دُمَى”

  1. مريم الدخيل يقول:

    حبيبتي جميل سردك هنا أعجبني استرسالك في الحديث حتى أنك نسيت أن هناك جمع هائل ينتظر مطر حرفك وأنا أقرأ مرت بخاطري صورتك وأنت في الصغر رأيت شقاوة عينيك وأطرافك المخضبة بالحناء
    مازلتِ تمارسين ذات الهواية وأنت في الكبر الجديد أن تلك الدمى أخذت لها أشكالاً أُخر

    أكملي يا قطعةً من الجنة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *