اتِكَاءَةُ هَوَى, ضَوءْ

وأنتِ الشفاء..

أكتبُ إليك يا حبيبتي والمُرض قد اتخذَ منّي مواضعَ عدة، أولها قلبي الذي يعيشُ تحط وطئةِ بعدك إلا أنك تأبين إلا أن تكوني حِصنه. ولا ضرر فيه إلا أنه يحتاجُ سَلامكِ والتماسَ الحبِ منه في القرب. ما أبشعَ أن يمرضَ المرءُ ولا تكونُ نَفسهُ معه، فيخرجُ نَفسهُ مُثقلاً كأن الأرضَ تخلو من الهواءْ. ولا ألومُ في بعدكِ إلا نَفسي التي آثرتَ البعدَ حتى لا ترى الحزنَ في عينيكِ المُترفتين بالخوفِ عليّ. أتعلمين أني أحبُ هذا الخوفُ لأنه يمنحني خفةِ الطفل وأخشاهُ حتى أخالني كهْلاً لا يقوّى المزيدَ من الألم. ماذا عساي أن أفعلُ وكلي يفيضُ إليك حتى في جموعِ المتجمهرين حولي؟ أنتِ للناسِ كلٌ وَلي وحْدي كُل أحَد. البعدُ والمرضُ يحيلانني غصناً يَباساً ما ذاقَ الماء مذْ نمَا. كأن الكونَ خواءٌ وأنا صحراءٌ جرداء لا تلوي على شيء فأيبسهَا الجفاف. يسألني الكلُ عن صحتي. وأجيبُ أني بخير ولا خيرَ إلا في لقياكِ واعتناقِ روحي برقيق روحك. أتذكرُ التفافَ ذراعيك وأنتِ تطوقينني فأحسبُ أن الكون كلهُ محيطَ ذراعيك فقط ولا يعنيني ما خلفه.

الحزنُ يزيدُ تعبي ويضعُ على كتفي أثقالاً من النصب. وأصعبُ ما أمرُ به هو يا أميرة قلبي وهوايَّ هو الحلم. أتتخيلين أني أنامُ وأنا اتخيلُ صوتكِ يلاطفُ سَمعي وأغفو فأحلمُ بكِ حناناً يباغتُ شَغفي الكبيرَ بك وعَطفاً يمسحُ على جبيني الذي خُلدتِ في تعاريجهِ التي تحسبُ بأيامِ بُعدي عنكِ. أنّي أعاني من استنشاقِ عطركِ وتبددهِ كلما فتحتُ عينيّ وما وجدتكِ قبالتي. أقسى من الانتظارِ الأحلامِ التي تُبقي عَبرةً عالقةً في العينِ لا تفارقها. وكم أخشى أن لا يأتي اليوم الذي تتمكنُ يداكِ من مسحِها أو صوتكِ من جبرهَا. أنا لا قوّة لي وأنتِ لا حولَ لكِ وما بيننَا شجنٌ يطول.

لا يقسو عليّ المرض بقدرِ ما أقسو أنا على نفسي بتذكركِ لأنك عالمي الوحيد الذي عشته. أواهُ يا صغيرتي كيف للقلبِ أن يَسلو وأنتِ سَلواهُ وأنتِ الأنسُ فيه والإنس. ما خلا قلبي منك ولكن خَلا الدواءُ منك فأنّى يطيبُ ما بيّ أو تُخف آثارهُ، فمرضُ الروحِ أشدُ من مرضِ الجسد. أعدكِ يا حبَ قلبي وشفائي أن أكون بخير بقدرِ ما يدعو لي قلبكِ الطاهر بقدر ما أسمعُ ارتدادَ صدى قراءتك عليّ في الليلِ الحالكِ والناسُ نيام. بقدر ما تمسحين دمعةً تفرُ منكِ كُلما باغتكِ صوتي في ذاكرةِ أذنيكِ، كما تشعرينَ بيدي تلامسُ حرير يديك. كما أتطلع في عينكِ وأقرأ حياتي معك. هذا الشقاءُ لن يطولَ أعدك. فأنا بقوتكِ قويّ وبصبركِ على ما يلمُ بي أَصبر. وإني لأبصرُ شفائي قادمَاً يأتي من بعدهِ أنتِ فأكونُ ملاكاً طاهراً. وما أجملَ من تأخذيني متخففاً من سنواتٍ طوال. طاهراً بطهرك، وترسمين عليّ وفيّ مَحبتكِ، وتسبغينَ عليّ من النقاء ما أنتِ أهلٌ له، فأهبكَ بعدها كُلي وأناملي. أعدكِ أن أردمَ سنواتِ الخُذلان في المسافاتِ التي تفصلنا وآتيكِ طلقاً كما انتعاشِ رعشاتِ صدركِ الفتيّة. عديني يا أميرتي أنْ تَصبري ولا تحزني فالقلوبُ الطيبةُ لا يخذلها الله. عديني أن لا تحزني فالقلوب التي تتألمُ بصمتٍ يَجبرهَا الله. والقلوبُ التي تدعو بخشيةِ البار يُقربَها إليه الله.

رأي واحد حول “وأنتِ الشفاء..”

  1. الأمير أحمد يقول:

    “أنا لا قوّة لي.. وأنتِ لا حولَ لكِ.. وما بيننَا شجنٌ يطول..”

    رائع..
    حاولت أن أنتقي منه.. الاختيار سهل جدا.. وصعب جدا في آن واحد..
    بوركتِ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *