نَصْلٌ مُصَوّب

أعطوني مِفتاحَ جنتي!

من لا يفتحُ أبواب عقله، لايمكنهُ أن يسمعَ سوى أصواتِ الخواء في نفسه. ليسَ من هواياتي الدخول في نقاشاتٍ من أي نوع. وفي أحيانٍ قليلة أجدني مضطرةً للدخول في إحداها. كنتُ في الجامعةِ يوماً مع مجموعةٍ من الطالبات، فرّن جوال إحدى الفتيات وإذا بأغنية تصدحُ في المكان، كان من الممكن أن أن يمر بشكل طبيعي وسلس لولا أن إحدى الفتيات زجرتها قائلة: “بتدخلين النار!” فلم أتمالك نفسي من هول وقع الجملة على الفتاة فقلت لهذا الزاجرة: “أَفْتَتْ!!” فما كان منها إلا أن التفتت عليّ وقالت لي: “قولي بعد إن الأغاني حلال!” فأجبتها بسؤال: “قولي أنتِ أن الأغاني حرام!” فأجابت بجوابٍ أتوقع أن كلكم يعرفه وسمعهُ ملايين المرات: الشيخ “الفلاني” قال، والشيخ “الفلاني”قال! فقلت: “والنعم”، وماذا قال الله سبحانه؟ قالت: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّه}* فسألتها: وأين التحريم قطعاً؟ قالت: لهو الحديث؟ قلت: آتيني بدليل قطعي الثبوت صريح الدلالة لا يحتملُ التأويل يقول: أن الغناء حرام. فقالت يقول رسول الله: (ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحِر والحرير والخمر والمعازف). فقلت: يا حبيبتي، ابحثي وستعرفين أن كلمة “اللهو” مختلفٌ في دلالتها، وفي المعازف نفسِها اختلاف! وليس في هذا الحديثِ دلالة قطعية على ما تجزمين به، أما بقية الروايات فلا تسلم من الضعف! فغضبت غضباً شديداً وقالت: “وأنتِ معها في النار!” فابتسمتُ لها وقلتُ: شكراً لك، وإني اكتفيتُ بما قلت. ثم التفتُ على بقية الفتيات وقلتُ لهن: إنتهبن جيداً في مقررِ أصول الفقه.

كثيرون مرّ عليهم حوارٌ أليمٌ كهذا، تقول:هاتِ دليلك، فيقال لك: قالَ فلان! وليسَ فلاناً إلا شخصٌ فتح الله عليه واجتهد، قد يصيبُ وقد يخطئ. ويجرمُ في حق نفسهِ والبشرية من اعتقدَ أن كلامَ فلانٍ مقدسٌ ومنزلٌ من سماواتٍ سبع غير قابل للإبطال بالمنطق والحجج النقلية والعقلية!

إن من يتصدى لبوابةِ السؤال بالقمعِ والردم، ينسى أن في الشبابيك مَدخلاً للنور، ومن يسارعُ في إغلاقها لابدَ وأن يُفتَح مع الوقتِ فيها بصيص نورٍ بفعلِ الطبيعة من حيثُ لا يعلم. فلا يمكنُ لبشرٍ عاقلٍ أن يُسلمَ عقلهُ إلا إن كانَ غافلاً عن مَعنى وجوده أصلاً.

النقاشاتُ التي تطرحُ التساؤلات وتحاولُ الإجابةَ عنها تفتحُ الأفق على اتساعهِ لينهلَ منها الكونُ كلهُ، ومتى ما أصبحَ الكونُ حلبةً للبحث اقتربنا من الفهمِ وسر الخلود. أجملُ النقاشاتِ تلك التي تلقي فيها بمِشكاةٍ صغيرةٍ بين الحين والآخر وتتركهَا علّها تنير دربَ أحدٍ في لحظةِ تساؤل منه.

من البشر من يحاول فرضَ حصار على عقلك حتى لا تُفكر، ويعطي نفسهُ الحق ليفكر ويقرر عنك فلا يكون لك سوى خيارين إما أن تطيعَ فتكونَ ابناً باراً، أو أن تتمردَ فتكونَ ضالاً! مستخدماً سُلطة الدينِ بغير حقٍ مُتناسياً أن الدينَ جاء ليثور على القديم ويُلغي باطله مُنادياً بسلطةِ العقل الذي يصنع المنهج الذي يقترب به من الدين والحياة معاً.

ليسَ من حقِ أحدٍ أن يحيطَ نفسهُ بهالةٍ قدسية لا يمكنُ مساسُ أفكارها ونقد فهمها للدين والحياة. وليسَ العاقل الذي يهيلُ على أمثال هؤلاء تعظيماً يجعلهم يتمادونَ فيما يفعلون. إن من ينقادُ دونَ وعي وإدراك حقيقي منه لما يفعل يقفل على نفسه زنزانة الحياة، ويرضي أن يعيشَ سجيناً يؤتى إليه بطعامهِ وشرابهِ ذليلاً لا ينال إلا ما يعطيه الآخرون. أما الحرُ فإنه ينطلقُ في الحياةِ متفكراً متأملاً يحترمُ عقله ولا يخاف السؤال ولا يهابُ البحث عن الإجابة.

ليس لإنسانٍ على وجه الأرض أن يدخلكَ الجنة، أو يخرجكَ منها أو يزجكَ في نارِ جنهمَ أو يخرجكَ منها! إن الأمر بيدِ الله وحده، وشقيٌّ من يجعلُ أمره في يدِ بشر ويتركُ قوله عزّ وجل:{وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً}*!

وليتَ الزمانَ يعودُ بي إلى ذلك النقاش، لأقول لصديقتي العزيزة:

أعْطِني مِفتاحَ جَنتي، وحَرمّي جسدي على النار لأبصمَ دون نقاشٍ على ما تدّعين!

* * *

*[لقمان:6]

* [مريم:95]

* الصورة: بدر العوضي

رأيان حول “أعطوني مِفتاحَ جنتي!”

  1. نورة ^_^ يقول:

    نعم كثيراً وكثيراً مر هذا الحوار

    بارك الله فيكِ على الطرح أختي شيماء

    وتعلمت من هذه التدوينه أشياء سوف تنفعني في المسقبل إن شاء الله

    شكراً لكِ

  2. حنين يقول:

    كثير من الأفكار الجوهرية هنا..
    لا بد أن تنتشر ..!

    شكراً لك ولقلمك..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *