نَصْلٌ مُصَوّب

نَرْوي كما نُروَى

أختار بعناية ألوان ملابسي. أحاول أن تتماشى ألوانها مع الألوان الدارجة في الموسم. بطبعي أميل للألوان الهادئة، ولا أمانع أحياناً في القليل من التغيير . فبعضُ التغيير يجددُ أرواحنا. التجديدُ بذكاء قد يحيلُ حياتنا إلى الفصول الأربعة. رائعة خلابّة. التجديد في الحياة مطلب وواجب لأن ما حولنا مُتغير وعلينا المواكبة وإلا نُسينا في الماضي. والذي لا يتجدد يذبلُ في مكانهِ وينسى.

يزعجني الجوّ المتقلب في هذه البلاد إنه لا يستقر مطلقاً. كأن الاستقرار عندهُ زلةٌ يُعاقب عليها. وحدها تلك التي ألقاها كل يوم لا تنزعح ولا تبدي تذمراً. أراها فتبسم لي رغم كل الظروف!

كلما مررت بها تسائلتُ عن عمرها الذي طوى الحكمة بين أضلعها البارزة حتى أثمرت صبراً. كأن لم يمر بها شرٌ قط. وهذا محال. فحياتنا لا تخلو من العثرات التي قد نراها شراً ونكتشف بعد ذلك أنها خيرٌ محض.  ولأن الحضور أصل الأشياء فتلك الخضراء اليانعةُ تتواجد في ذات المكان في موعد لا تخلفهُ ونخلفهُ نحن -المارّين بها-أحياناً فكأنها تعلمنا في كل صباح أول درس في الحياة: (الثبات).

من جمَالِ الأشجارْ، أنها لا تُفارقُ الأرضَ التي رَبتْ فيها وإن جارتْ علَيها. وتكْمنُ روعَتها في هذا العناقْ الأبَدي مَع أرضِ المَعركَة. إن بعضنا في حياته تهزهُ رياحُ المآسي فتطيحُ به كله فلا يقوى الوقوف مرةً أخرى. وبقرارِ عدم الوقوف والمجابهةِ يكونُ قد اقتلعَ نفسه من أرضِ الحياة. مغادراً إلى الفراغْ حيثُ لا عملَ ولا أمل! والبعض الآخر يعتبرُ أي هزةٍ أرضية تحتَ قدميه معركةً صغرى يكافحُ فيها فيخرجُ منها بخسائر قليلة وتعاليمَ كُبرى فيتقوّى ويكونُ لحياته معنىً آخر. وهنا فقط تفتحُ الأرض أبوابها على مصراعيها لينهلَ من خيراتها ويحيل حياتهُ و حياةَ من حولهِ إلى عطاء دائم.

الأشجارُ لا تيأس، مع كل دورةِ حياة، تكافحُ وتخسَرُ قليلاً. تهادنُ لتهدأ..ثم تعاودُ الكّرة من جديد. ففي الشتاءِ رغمَ رداءةِ الطقس والأجواء تبقى شامخة، تتجردُ في هدوء وتقدمُ تنازلات طَفيفة من تساقط الأوراق وقلّ الثمر. إلا أنها تحتفظُ بهيبتها وبساقتها فحينَ يخيمُ الليلُ نخافُ المرورَ في منطقة مليئة بهذه الأشجار. فهي تشكلُ ظلالاً تتهادى، ومع مرورِ الريح بين أغصانها المتشعبة تصدرُ حفيفاً يقولُ لنا: احذروا ولا تقربوا. ليس كلُ هدوءٍ ضعف. هدوء بعضنا في الحديثِ وفي التعامل مع الأشياء لا يعدُ مطلقاً خضوعاً. بل إن أبلغ التصرفات تلك التي تقرنُ بالهدوء لأنها تأتي متروية خالية من تَطرف الاستعجال.

إن المجتمعات الخالدة تاريخاً وحضارةً وعلماً كالأشجار. المجتمعات التي ترقى بالإنسان وتمنحه الحرية وتمنحه القدرة على الاختيار بل وتَعبرُ به إلى أبعد من ذلك فتعدّهُ ليكون إنسان حضارةٍ يساهم ويبدعُ ويخلق مستقبلاً أفضل، مجتمعات تأخذُ من روح الأشجار. مجتمعات تحافظً على الإنسان كأهم مكتسباتها. وكلما ارتقت بالإنسان، ارتقت بالأشياء حوله من نبات وجماد. المجتمعات التي تحافظ على الإنسان بالقدر الذي تحافظ فيه على البيئة الصحية والسليمة والراقية حولهُ مجتمعات جديرةٌ بالاحترام. لأنها تؤسس لإنسان مكتمل الحضارة يحمل الجمال والحضارة في قلبه وعقله على حد سواء.

في محاضرة جامدة عن تصاريح البناء والمناطق التي يسمح بالبناء فيها. تطرقت المحاضرة إلى موضوع أن الأشجار (محمية تلقائياً قانونياً). فلو كان لديك تصريح بناء في هذه منطقة ما وهذه المنطقة تحتوي على بعض الأشجار لن يكون لك الحق بهذا التصريح لإزالتها! بل عليك ان تأخذ تصريحاً آخر لإزالة هذه الأشجار. وإلا عرضت للعديد من الغرامات التي قد تصل الى إيقاف البناء. وفي معلومة غريبة من نوعها أن بريطانيا في بدايات القرن السابع عشر (1700) – وهو بداية عصر التنوير- كانت تنزلُ عقوبة الإعدام على من “يقطع شجرة”. وإني هنا أنوهُ أني لستُ حتماً مع هذا التغليظ في العقاب. ولكني أسوق ذلك في مَقام أن الاهتمام بالأشياء حولنا وعلاقتنا بها تؤسس لبناء مجتمعات متحضرة. إن نظرتنا للأشياء من حولنا إما أن تكون سطحية أو عميقة. فمتى ما نظرنا إلى الشجرة على أنّها “شيء” للزينة، لن تكون ذات قيمة لأنه يمكن استبدالها بشيء أغلى قيمة، أو شيء لا يكلف عناء الاهتمام بها. وإذا نظرنا إليها على أنها تعطينا الحياة بإمدادها لنا بالأكسجين وأنها ظلٌّ وطعام ودفء كلّما قدرناها أكثر واستشعرنا أن ارتباطنا بشجرة إنما هو ارتباط بالأرض وبالحياة. الأشجارُ تبْقَى علامةً فارقةً وتاريخاً لأنها تعلّمنُا كلَ يومْ معْنَى جديداً للصُمُود والثبات والتجديد.

هل لنا الآن أن نتخيل جميعاً، لو أن مجتمعاتنا تحظى ببشر يأخذون من روح الأشجار. سنخطو خطوة. خطوتين. ثلاث. وسيكون لدينا أرض تُحيي من عليها. تشرب الماء وتُثمر. ويُحيط بها شجرٌ باسق وقويّ من كلّ جهاتها. ستحمينا هذه الأشجار وتعلّمنا أن نروي كما نُروى.


رأيان حول “نَرْوي كما نُروَى”

  1. ياسر يقول:

    “ليس كل هدوء ضعف”.. جميلة

  2. رحاب شريف يقول:

    رائعه يا أُخية
    لا فض فوك

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *