حِكَايَة

الانتفاخ الذي لا أطيق..!

لم أكنْ يوماً ككل الأطفال. كما أني لم أكن مميزاً لتلك الدرجةِ التي تجعلني مُلفتًا. كنتُ طفلاً مرتباً جداً أكرهُ أي زوائد غير طبيعة. كانت معركتي الصباحية مع أمي هي طريقة تصفيف شعري. كنتُ أحبهُ أن يكونَ مستقيماً وكانت تفضلُ أن تكون غرتهُ جانبية، لم أكن أنانياً فقد كنتُ أسعدها بكلمة: حاضر. كانت تبتهجُ وكنتُ أبتسم ابتسامة الطفلِ البرئ وأنا أرتبهُ بالمشطِ المتساوي الأطرافِ تماماً على جبهتي العريضة. وفي كل مرة بعد أن أنتهي من تصفيف غرتي إلى الأمام أفتح حقيبتي وأتأكد من أن أمي لم تعث فساداً فيها لأني أحبُ ترتيب الكتبِ فيها بناءً على حجمهَا الأطول فالأقل طولاً فالأقصر. بعد أن أتأكد من ذلك تهدأُ نفسي، أسندُ رأسي على طرف الكرسي ويحلقُ خيالي بعيداً حتى نصل إلى المدرسة!

أكمل قراءة المقالة ←

حِكَايَة

خاتم

هناك ساعاتٌ يقتربُ فيها الإنسانُ من المَوت ثم ينتقلُ فجأة في دوامةٍ شعورية متوترة وغير متناسقة من المشاعر ثم يعودُ مرة أخرى إلى الإحساس بالحياة بمشاعر لم تستوِ بعد. هكذا أنا، أتوهُ كلما هاجمتني حقيقةُ بُعدك. والحقيقةُ التي تؤلم جَلدٌ للنفس. أتدارى أنا التي أوازي رقة الغَسق بصلابةٍ انتميتُ لها بغةً وناسبتني. أتمادى كُلمَا أحسستُ بقربك وأتلمسُ طريقي في عينيك وأسلكُ من خلالِ قلبك. قلبك الذي أحفظه. قلبكَ الذي أنتمي إليه. قلبكَ الذي يُحبني ولا يقدرُ قُربي.

أكمل قراءة المقالة ←

حِكَايَة

الفراقُ وثُلته..!

يكرهُ الأضواء. تبقى عيناهُ منصوبتان على نقطةِ الضوءِ الحمراء التي لا تشي سوى بالقلق. يحاولُ أن يجربَ ما يتذكر من دورات البرمجة اللغوية العصبية. تختفي كلها، وتبقى عيناهُ تناشدانِ العَتمة. تكبرُ البقعة تستحيلُ قرصَ شمس، يقلبُ جسدهُ حتى لا يحترقَ تحتَ وطأته. يحاولُ نسيانه فيخيبُ الرجاءُ فيه أيضاً. يجلسُ مستقيماً على سريرهِ الذي صارَ معركةً لفرطِ حركتهِ المُضطربة. يُلقي جسدهُ الناحل على السرير مرة أخرى علّ النومَ يباغته. ينتبهُ لنقطةِ الضوءِ الخضراء فيتنفسُ بعمق: ليسَ هذا وقتُ المزيدِ من الضوء.
في لحظةِ نسيان، تخدرت عضلاتُ عينيهِ. أحياناً يكونُ الاستسلامُ لما نريد أصعب من الإستسلامِ لما لا نريد. يتقلبُ في نومهِ كثيراً، يسرفُ في الحركة، والحركاتِ المُشتتة تجعلهُ عاجزاً عن الاستطرادِ في النومِ طويلاً.
تختفي النقاطُ الضوئية الحمراء شيئاً فشيئاً. ثوانٍ فقط وتعاودُ الرجوعَ تتحولُ أمامَ عينيهِ الواسعتينِ لفيفاً من شرائطَ قاتمةِ الحمرة. تلتفُ حول جسده الغضّ تتآلفُ بشكل مربك. كلما حاولَ الانفلاتَ تصيبهُ رعشاتٌ تجعلهُ يتوقف. مسٌ كهربائي في جسده يحيلُ الشرائط إلى سواد. سوادٌ يشبهُ زيتَ السيارات، قاتمٌ ولزج. يبحثُ عن نقطةِ دفء، يدخلُ رجلهُ الممدوةِ خارج السرير علّه ينعمُ في مكانٍ منه بدفء. من زاوية يأسٍ تتخبطُ أمامهُ صورٌ كثيرة نقطٌ سوداء في أنحاءِ جسده، وسرائرُ بيضاء مُلتويّة وقليلٌ من أشعةِ الشمسِ الشاردة. يتعرقُ جسده فيبلل فراشهُ ومن حيثُ لا يعلم تأتي بقعةٌ ضوئيةٌ خضراء، تحملُ في طياتها السمِحةِ وجه أمه تبتسمُ فيحررهُ الضوء من الشرائط السوداء التي تنسلُ عن جسدهِ تدريجياً، يتحرر منها، تتحررُ منه فينتابهُ شعورٌ بالخلاص.
قلبهُ ما زال يخفقُ بعنف. توقظهُ ضرباتهُ المتتالية وتلسعهُ البرودةُ التي تضربُ الفراشَ المبلل. عندَ هذه اللحظةِ الحاسمة تشتدُ عضلاتُ عينيه فيُفتحانِ على مصراعيهما. تتسعُ أحداقهُ وهو يحدقُ في السقف الأسود. يراودهُ السؤال ذاته مع كل استيقاظ ليلي من هذا النوع: متى تكفُّ هذه الأحلامُ عني، ومتى أكفُ عن الخوفِ منها؟ لا أحدَ يحبُ الخوف، لا أحد يريدُ أن يعيشَ في العتمةِ مُخالفاً قوانين الضوءِ. أنا طبيعيٌ ولكنّي أخاف والخوفُ يقتصُ مني كل ليلةٍ على شكلِ حلمٍ مُفزع! متى أتخلصُ من رائحةِ الفقدِ في جسدي، وويلاتِ الفراقِ في صدري؟!
مذ رحلتْ أمهُ وهو يعاني من أزماتِ الخوفِ التي تغتالُ أضلعه. الخوفُ بحرٌ يخاف أن يجفّ في ظهيرةٍ حارقة. والفراقُ شرخٌ يُغرقُ الزوارق حتى في المياةِ الضحلةّ. الخوفُ والفراق الوجهانِ المظلمانِ الحب، الظلُ الذي لا يختفي مُطلقاً بل يظلُ رهيناً للصدفة. بقدرِ الحبِ يكونُ وجعُ الفراق، وحبه لأمه كان أسمى من الحبِ وأعلى من فيضِ التوقعات. يخنقنا الألمُ حينَ لا تكونُ لدينا القدرةُ على جَبرِ الفراقِ وثلته. يباغتهُ النورُ إلا أن ظلامَ قلبهِ حِندِسٌ* لا ينفعُ مع شعاعُ النور إلا إن بددتهُ ابتسامةٌ والدتهِ في حلمٍ أليم.
يقفُ أمام المرآة بعد أن انتظمت ضرباتُ قلبه. يقفُ أمامَ المرآة حاضر الذهنِ للعمل، مشتتُ القلبِ للحياة. يقلبُ وجهه علهُ يلمحُ تشابهاً بينَ وبينَ وجهِ أمهِ المنعكسِ على المرآة من خلفه. لا يجدهُ. يعاودهُ الخوف من فقدِ ملامحهِ التي تشبهها. صارَ أكبر. صار قرصاً مُدمجاً بأغانٍ قديمة. صارَ ليلاً بقمرٍ شاحب. صارَ شبحاً. تعرقت مسامهُ من جديد. وضعَ يدهُ على رأسه للتوقف الأفكارُ الردئيةُ من التتابع. يرتلُ على مسامعِ نفسه:
أنا مُصعب. أمي سمتني كذلك. اسمي يحملُ سيرةَ حياتي. لا يهم، صعبٌ أم مَصاعب. أنا ما زلتُ حياً.

أكمل قراءة المقالة ←