نَصْلٌ مُصَوّب

الهاربون من الحب

لا تفتأ صديقتي تُذكرني بقصة الشاب الذي اتصل بالدكتورة (فوزية الدريع) وعمره سبعة وعشرون عاماً ليقول لها أنهُ لم يقع يوماً في الحب، ولم تدقَ أبواب قلبه امرأة ولم يفتح الأبواب يوماً! فما كان من الدكتورة إلا أن ذُهلت وقالت له: يا ابني لديك مشكلة كبيرة!

ما هو الحب؟ وكيف نقعُ فيه؟ هل نجذبهُ أم يجذبنا؟ هل نسيطرُ عليه أم يسيطرُ علينا؟ هل يرفعنا إليه أم نهبط عليه؟ ليس لديّ اجاباتٌ على هذه الأسئلة ولكنّي أعرفُ أنه جذوة تجعلُ المرء يشعرُ أنه شديد الخفة، شديد التوزان، مقبلاً على الحياة، ممتلئًا بالتفاؤل، شعارهُ الأمل وزينتهُ الابتسامة. ولا أقصدُ هنا قطعاً الحب الطائش الذي ينتهي مسفوحاً على الجدران عامراً بالأسهم التي تخترقُ القلوب فتجرحها، والمذيلة بتوقيع “بوعذاب”!

بل أقصدُ الحب النقيّ الطاهر الذّي يجمّل صورة الإنسان أمام نفسه، ويجعلهُ رقيقاً متناغماً مع ايقاع الحياة ومتوازناً يبتسمُ للنجاحِ ويطمحُ للمزيد، ويتقبّل الفشل ويسعى للجديد. عندما نحب، تنتفي السلبيات حولنا فيتحولُ اليأسُ إلى عمل، والخوف إلى اقدام، والترددُ إلى ثقة والعصبية إلى تروٍ والغلظة إلى رحمة. هذه الروح المحبة هي التي وهبت البشرية أعظم موجوداتها ومكتسباتها وهي ذاتُ الروح السمحة التي استطاع سيّد الخلق بها جذب البشر من حولهِ للدخول في دين جديد وتبديل جلودِ نفوسهم القاسية بقلوب تدمعُ لذكر الله خالياً!

إن العمر الذي يمضي بدون حب، يخلو من الحياة، لأن الحب منظومةٌ مُتكاملةٌ تقوّم الحياة وتهديها لأفضل ما يمكن أن تكون عليه، فهو نوعٌ من اطلاقِ ممكناتِ الإنسان إلى رحابةِ الإنسانية العظمى. الحبُ كصيدلية فيهِ علاجٌ لكل أنواعِ الأمراض، فيهِ مهدئات للمشكلات، وفيه طارداتٌ للكراهية، وفي مكملاتٌ لجعل الحياةِ أسهل. البعضُ لا يحتاجُ أن يزور هذه الصيدلية لأنهُ يحملها في داخله أينما حل وأياً فعل، بل ويقصده الناسُ لأخذ العلاج المناسب لما يطرأ عليهم وكلما احتاجوا إلى جرعة حب تعينهم على الحياة. هؤلاء هم المستنيرون بالحب، الذين يدركون امكانات الحب في جعل حياة الإنسان أكثر سلاماً وأكثر تقبلاً للحياة. . وآخرون يزورونها بانتظام لما يطرأ على حياتهم ويقلقها بين الحين والآخر، وآخرون لم يهتدوا إليها بعد، وهؤلاء هم الذين لم يعيشوا بعد ويدركوا جمال الحياة.

يهرب البعضُ من الحب خشية الوقوع في ألم وندم، وقد يذرون وراءهم قلوباً تتلوى جوىً دون اكتراث، هؤلاءٌ حقٌ عليهم الشقاء فلا هم أقدموا عليه ولا هم أحجموا عنه منذ البدء. هؤلاء يظلون معلقين بين دائرة الشك واليقين لا يستكين قرارهم ولا يهتدون. لا تخلو  الحياةُ من المنغصات، ولا تستوي بدون مشكلاتٍ تزيدُ من خبراتنا في هذه الحياة. المُتنبهُ الواعي هو الذي يحوّل المشكلة إلى ورشة عمل لا ساحةِ حرب فيفوزَ بالعقل والقلب معاً. الحبُ خارطةُ حياة أضلاعها الثقةُ والقناعةُ والحوار وحرية التصرف وما في الخريطة اتجاهاتٌ نحنُ من يحددُ كيف نرسمها. لكل قلبٍ خريطة، فلنحرصُ على أن تكونَ خطوطَ الطول والعرض فيها متوازية ومتقنة وخطوط التماس فيها فرحٌ وهناء.

يقعُ الإنسان في الحب، في اللحظةِ التي تلتقي فيها كيمياؤه مع كيمياء المحبوب في لحظةٍ زمينة محددة، وفي نضج معين في هذه اللحظة تنبثقُ من قلبه شعلةُ نور لا يستطيعُ مُداراتها مهما فعل. وليس الوقوع في الحب هو الهدف بل ما يُحدثهُ من تغييرات ايجابية على النفس وفيها. فلا خير في من يحبُ ويجرح، ويعشقُ ويؤذي، ويموت هياماً ثم تراهُ فظاً غليظاً لا تأنسُ بالجلوس معه ولا تسرُ بالحديث إليه. الحبُ طريقُ الإنسان للخير، وطريقُ الإنسانية للسلام. وشتّانَ بين من يزرعُ الحب والتسامح ومن يحرضُ على الكرهِ والتناحر، لا يستوّيان.

تقولُ بعض الدراسات أن الإنسان الطبيعي يقع في الحب من خمس إلى سبع مرات في حياته. ويقولُ عبدهُ خال: “للقلب خفقةٌ واحدة في الحياة، بعدها تتساوى كلُ  الخفقات”. فرقٌ بين الحب والوهم، فرقٌ بين الحب والحاجة فرقٌ بين الحب والرغبة، هناك حبٌ يرتقي بنا، وهناك حبٌ يخسفُ بنا. لذلك علينا أن نكونَ أكثر وعيّاً، أشدَّ نضجاً، أكبر اقبالاً على الحياةِ بكل ما فيها من خير، مترفعين عن كل ما فيها من شر لتكون خفقاتُ قلوبنا أرقى وأرقى. وتصبحَ كل تجربة قيمةً تضاف لخبراتنا وتجوّد قراراتنا.

رأيان حول “الهاربون من الحب”

  1. ثُــريّا يقول:

    .. ابدعـتِ شيماء ، هـذا ماكنت أحتاجه شكرًا لكِ ، شكرًا شكرًا 🙂

  2. سفر يقول:

    ماأسمى فكرك ومااروع قلمك ..
    كثيرا ماتمرنا كتابات لم يأت اصحابها بجديد – ربما – ولكنها تأخذ من وقتنا وحواسنا حيز ليس بيسير لنتأملها مرارا ونحاول فهم تلك الفلسفة التي استوفتنا كعقلاء نلمح الصدق جليّاً ونؤمن بكلّ مكونات الحكاية
    ولكننا ننافس انفسنا ونسابق ذواتنا على الظفر بالفوز في ايجاد الروابط
    الخفية بين تلك المكونات والتي جعلتنا نسلّم بكلّ مايمليه عليك فكرك النيّر واحساسك اللّا متطرف وينسجه يراعك ببلاغة .. فقط لاننا منطقيون نؤمن بأن للغير نظرة وفهم وتعليل قد نكون أحوج مانكون اليه رغم انه كان في متناول جميع حواسنا.

    شكرا شيماء ..

    وللأمانة نقل لأنه يستحق أن يعطى من وقت
    المتفكر المنهمك قسطاً لن يندم عليه وإن طال ..

    فضاءات امتنان وتقدير .

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *