هُتَافُكُمْ

القصر

بقلم: شمس الجطيلي
تويتر: theirsun@

***

و بالقَصر ذاك ،
تحديداً في الطابق الثالثْ والمترفّع
تحتلُ إحدى زواياه النائية ..
غرفة مهجورة،
رائحتها ورد ياسمين مائلٌ بذبولٍ يدل على موته ..
ذابلٌ ميّت،  وينضحُ عبيراً!
ممزوجٌ برذاذ تربة الغبار التي تفوح أكثر من الياسمين ..
ذاك المزيج الذي يزكم الأنوف .. غبار وياسمين !
كيفَ للونِ الورديّ الهادئ أن يجتمع مع ذاك البنّي الداكن !
هه!
نسيت بأن أخبرك ..
في هذا القصر ..
توقع كُل شئٍ ياعزيزيْ ..
فـمن المعتاد بأن ترى الأضداد تترادف،  و المتناقضات تتشابه !
لا بأس في هذا ..
وفي هذهِ الحجرة بالذاتْ ..
حيث الكرسيّ الذي يهزّ مراراً، بالرغم من تلك الشبابيك الموصدةِ في وجه الرياح العنيدة ..
وحيث الساعة الرملية التي استحال رملها طيناً، فلا يكادُ يمرّر الوقتْ !
وطرف الريشة المرميّة فيْ علبةٍ مغمورةٍ بحبرٍ أزرق رديء مازال رطباً !
غطاءُ السرير سُكريّ اللون و مخدّتهِ التيْ حُفِرَ وسطُهآ أثر رأسٍ قد ألقيّ عليها ذاتَ أرق !
و سراجٌ يتدلى من إحدَى جدرانه يخبو و يتضيء رغماً عن أنفِ ذاك الكيروسين الذي فرِغ !
أقداح شاي البابونج المتكركبة على طاولةٍ خشبيّـةٍ تساقط من حولها كرسيّينْ متناثرة أجزائهما وَمتكسّرة ..
و صوت فيروز الثقيل المتخم بالأوجاع المحببّة .. يصدح كُل إشراقةِ شمسِ من مذياعٍ يعملُ على أشعته فلا يصمت !
دولابٌ فارغ تماماً بالرغم من رفوفهِ الكثيرَة .. إلّا من صندوقٍ سماويّ اللوّن ..
و تتوزع عليه ورودٌ تشبه ذاك الياسمين مشبعة بالأحمر الداكن ..
مرآة كبيرة بيضاويّة الشكلْ .. تقابلها طاولة مملوءة بأشياء أنثويّة .. أبرزها أحمر شفاهٍ بلونِ الخوخ قد جفّ..
لا ترفع إحدى حاجبيك إستنكاراً !!
فلم نبدأ بعد في وصف تلك الأعجوبة الثامنة !
الأشياء كلها في هذهِ الغرفة تختلفْ; فهي تبكيْ و تنوح و تتوجّع فقداً و تحيط بها هالة رماديّـة قاتمة تدل على عزاء تلك الأشياء لمن فقدَت ..
فالحياة لم تدبّ فيها منذ تسعِ وعشرين سنة و إحدى عشر شهراً و ثلاثين يوم وبضع ساعات !
و كيفَ لها أن تدبْ و صاحبتها قد أوصدتْ بابها وَ أخمَدتْ صريرهُ بلا رجوع ..
إن في كُل حجرةٍ و رواقٍ وزاويةٍ في هذا القصر قد حُكِي عنهآ بحكايةٍ تميلُ منها أفواه المستمعين إمتعاضاً !
غداً سيبدأ العام الثلاثين !
بدونِ صاحبته ..
و بدونِ قهوةٍ فجريةٍ يتراقص بخارها مع رذاذِ أمطار المزن الحاتميّة الندى ..
بدونِ ضحكاتها الهادئة التي تولد من فرجة ثغرها الواسعة ..
بدون تمتمات مراهقتها الهامسة بسخطٍ على من ضايقها ..
و بدون بكائها المكتومْ في خنقةِ ليلٍ لا ينتهيْ ..
بدون حياة !
و بدون يومٍ يمُر ..
فـ العيش في هذهِ الغرفة يعتبر موتاً .. فـ كيف يكون العيش مميت ؟
غداً سيبدأ الثلآثون عاماً من اللاشيء ..
حيث تلك الحسناءْ السرمديّـة العذابْ ..
قد عاشت نصف هذه الأعوام .. وعناقت السماوات السبع بلآ عودَة ..
فـرحمةً مِن أرحم الراحمين تتبارك عليها وَ تحفّها بأمانِ العزيز سبحانه إلى يوم يبعثون ..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *